يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي








العودة   ساحات وادي العلي > ساحات الموروث والشعر والأدب > ساحة الأدب الفصيح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-08-2012, 11:04 AM   رقم المشاركة : 1
علي الدميني يوقّع كتابه الجديد ، وكتاباً آخر للراحل المشري !


 



هوامش لا بد منها !!

علي الدميني

(و سيتم توزيع الكتاب وتوقيعه في معرض الرياض الدولي للكتاب )

1ـ عنفوان البدايات و ألقها

لو كان بمقدورنا أن نضُمّ إلى مواد هذا الكتاب، مجموعة " موت على الماء" التي أصدرها عبد العزيز مشري في عام 1979م، لانفتح الباب واسعاً أمام القارئ لمعايشة متعة الإطلالة الشاملة على مرحلة عنفوان البدايات المتألقة في حياة إبداع كاتبنا، والتي حفلت باشتغالاته في حقول متعددة ومتزامنة ومتقاطعة أيضاً: ما بين الرسم بالكلمات، والتشكيل بالريشة، والعزف بالجملة الشعرية.
وحيث أننا قد أعدنا طباعة ونشر تلك المجموعة في الجزء الأول من سلسلة أعماله الكاملة، فإننا سنكتفي بالإشارة إليها هنا، و دعوة القارئ المهتم بالبحث عنها في المجلد الأول من تلك الأعمال، والذي تم نشره على الانترنت في موقع "منبر الحوار والإبداع"، وعلى رابط ( 4 shared).

لقد تشكّلت مرحلة "عنفوان البدايات المتألقة" من تجربة خصبة في حقول إبداعية متشابكة، كان لا بد لطاقات عبد العزيز مشري المتدفقة و المتعددة أن تجرّبها معاً، لأن ما تمور به روحه الخلّاقة لا يمكن قسره على حقل محدّد، فانحاز إلى كتابة القصة القصيرة الحداثية بعد أن تجاوز تجربة السرد التقليدي، ومضى في تجريب عدّته الإبداعية للرسم بريشة القلم، بعد أن تشبّع بمرحلة الرسم الفوتواغرافي، وتوّج ذلك بكتابة قصيدة النثر، التي لا أسلاف لها في تجربته الإبداعية!
وفي نتاج هذه المرحلة ، يمكننا أن نرى دلالتين بالغتي الأهمية، أولاهما: القطع مع النمذجة الفنية التقليدية في كل أشكالها، ، وثانيتهما : البحث عن ممكنات الإبداع والاختلاف، عبر التركيز على فاعلية التجريد و الممكن السريالي ، في اللغة والرسم ، و في الشعر أيضاً.
وفي هذا المناخ ،كتب قصصه القصيرة منذ عام 75-1978م، و أصدرها في مجموعته الأولى " موت على الماء" ، متزامنة و متقاطعة في مكوناتها العميقة مع تجربة وتجريب التجريد التشكيلي (الجرافيك) ، والتي نشر بعضها في تلك المجموعة، كما قام بطبع الكثير منها في كتيب صغير لم تتجاوز عدد نسخه الخمسين نسخة، بعنوان " خطوط من رحيق الريشة "، واكتفى بإهدائه إلى الأصدقاء فقط.
وفي هذا المناخ أيضاً أبدع هذه النصوص الشعرية التي تحفل بغنائيتها العذبة، وتوهج جملها الشعرية، وتدفق حرارة تجربتها الوجدانية و التعبيرية الخاصة، و قام بنشرها تباعاً في جريدة اليوم، غير أنه لم يقم بجمعها وطبعها في كتاب!!
لماذا حدث ذلك إذن ، رغم حرصه الشديد على نشر كل نتاجاته، بما فيها البدايات المبكرة؟
الإجابة ستتضح في الفقرة التالية!
أُستُقبِلت مجموعة " موت على الماء" بالكثير من الاحتفاء، من قبل المبدعين والنقاد، ولكن القراء المُضمرين في تفاصيل النص أو في وجدان الكاتب، لم يستطيعوا فكّ شفراتها ولا الانفعال بها، كتجربة تحفل بانشغالاتهم اليومية والقروية، مما دفع الكاتب إلى التأمل والمراجعة ومن ثم التوقف عن الاستمرار في إنتاج النص القصصي لسنوات عديدة!
وقد طالت هذه الوقفة ريشة الرسم وكتابة القصيدة معاً، وربما لنفس الأسباب.
وخلال أربعة أعوام من التأمل والمراجعة، أعاد فيها النظر في وظيفة الفن والفكر، وانحاز بعد ذلك إلى مجال الواقعية النقدية، التي وجد فيها أفقاً إبداعياً آخر، يحفظ للنص موقعه في وجدان المتلقي العادي، مثلما يحمل رؤى الكاتب وبوصلة استشرافه، فمضى للبحث عن لغة تتشكّل جمالياتها من الإحالة على الواقع اليومي أو المختزن في الذاكرة، مستلهماً شعريتها من المفارقة الساخرة، ومن البعد الدرامي، ومن الكون التعبيري للتجربة الإنسانية المتعددة القراءات والأبعاد، وهنا غاب التركيز على القصيدة واندمجت محفزاتها الوجدانية والتعبيرية في نهر السرديات (القصصية القصيرة، والروائية، حيث أنتج ست مجموعات قصصية، و سبع روايات، في أقل من عشرين عاماً)، كما عاد في سنواته الأخيرة لاستخدام الريشة واللون لرسم لوحات تنتمي إلى ما يمكن تسميته "بالواقعية الرمزية ".
وهكذا تأتي رحلة القطيعة المعاكسة لتجربة " موت على الماء" ، ولتجربة هذا الكتاب في الشعر والتشكيل، حيث اختار عبد العزيز في مرحلة التأمل، والتي توّجت ببقائه القسري في القاهرة لمدة عام ونصف – لأسبابٍ سياسية - أن يمسك بالخيط الذهبي الذي كان يبحث عنه، فرأى في تكوين القرية الاجتماعي وفي موروثها الشعبي، مثلما رأى في الواقع اليومي، إمكانات أكثر تعبيراً عن جمالية وشعرية غمس اليدين في مياه تجربة دراما حياة الإنسان العفوية والقلقة والصعبة، بديلاً عن شعرية المتخيل السردي والتجريد اللغوي، التي بدت تجلياتها في مجموعة " موت على الماء "، مثلما نتأملها في هذا الكتاب، الذي يعود إنتاج مواده ( شعراً وتشكيلاً) إلى نفس تلك المرحلة.

2- تحرير النص من "مخطوطته"

حين تقف على ديوان عبد العزيز مشري " توسلات في زمن الجفاف"، الذي خطّه بقلمه وأخرجه في مجلد صغير، محتفظاً بنفس العناوين التي رسمها خطّاط الجريدة التي نشرت تلك القصائد، سوف تتساءل معنا : هل نقدمه كنصوص شعرية وحسبْ، أم نقدمه كمخطوطة؟
ذلك هو السؤال الشائك الذي وضعنا في مجموعة " أصدقاء الإبداع - أصدقاء عبد العزيز مشري" أمام حيرة يانعة بتعدد الممكنات، والمحاذير في نفس الوقت!
ترى هل أراد لنا عبد العزيز أن نقع في هذه الحيرة، في ضوء ما نعرفه عنه من حبٍ للمواقف الساخرة وإجادة حبكتها؟
أم أنه قد حسم اختيار طريقه الإبداعي في السرديات، ونسي هذه النصوص التي سكت عن نشرها في ديوان؟
أم تراه كان سيعود إلى نشرها لاحقاً، لو أمهلته المنيّة، سيما وقد عبّر عن احتفائه بها من خلال تدوينها بخط يده، و إخراجها بشكل أنيق؟
كل هذه الاحتمالات واردة، ولكننا حين نرى إغفاله لها طوال حياته، سنميل إلى تحليلنا السابق، من أنه قد حزم أمره على الخروج من الشعر و من توظيف الطقس الشعري في الكتابة القصصية، والذهاب إلى أعماق الواقع، الذي رأى فيه فضاءً أكثر غنىً بممكنات الشعرية الكنائية المادية، كبديل عن الشعرية الاستعارية وفضاءاتها االتجريدية .
المادة، الحركة، الصراع، المقابلات ، داخل سيرورة الحياة ، غدت - عنده - أكثر قدرة على التعبير عن رؤيته الواقعية النقدية، فأصبح الإبداع تمثلاً لجمالية التعبير عن الحياة بتفاصيل الحياة ومفارقاتها، وليس بالمتخيل السردي أو التجريد اللغوي.
و رغم موقفه من تلك المرحلة، شديدة الثراء والخصوبة في تشكيل مرتكزاته الإبداعية، فقد رأيت أن وقفتي على هذه النصوص ينبغي أن تكون وقفة إيصال جوهر النص إلى القارئ في لحظته الراهنة، لا وقفة الوفاء للمخطوطة، رغم ما تحفل به - بحد ذاتها - من جماليات.
لقد مضى على كتابة هذه القصائد أكثر من 35 عاماً، ظلّت فيه حبيسة بين دفتي مخطوطتها، ولكنني أقرأ فيها تجربة شعرية، في حقل قصيدة النثر، ما زالت تحتفظ بحرارة التجربة، و طزاجتها، وأزعم أن شاعرها لو أراد موضعة نفسه في هذا الحقل ،لأبدع فيه ولأصبح - بعد تجربة الشاعرة الرائدة فوزية أبو خالد - من المؤسسين لشعرية قصيدة النثر في بلادنا، مثلما أبدع في حقول السرديات، ولكنه لم يشأ الذهاب بعيداً ، في ذلك الاتجاه.

*****

كانت الفكرة الأساسية لدي ولدى شقيقه احمد مشري، تتفق على تصوير مخطوطة هذا الديوان، كما هي، وإصدارها، ضمن سلسلة الأعمال الكاملة، ولكنني حين تصفحتها جيداً رأيت أن عبد العزيز قد أجرى على بعض المقاطع الشعرية تعديلات وتشطيبات بالقلم الأحمر والأزرق، مما يعيق نشرها كما هي .
وإزاء هذه الإشكالية الفنية المعيقة لتصوير النص الأصلي، إضافة إلى وجود الكثير من الأخطاء الكتابية، تزحزح موقعي قليلاً من أسر الوفاء المطلق للمخطوطة إلى فضاء الوفاء للشعر، و رأيت أن أعيد طباعتها والقيام بتشكيل بعض مفرداتها ، وحذف بعض جملها، أو فقراتها، ليأخذ النص موقعه الآني في سياق نصنا الشعري، بدون أخطاء مخلّة بجمالية نصه الأصلي .
ولكي يعايش القارئ معنا جمالية تدوين عبدالعزيز مشري لنصوصه بقلمه وخطّه الأنيق، عمدت إلى تصوير مقاطع من كل قصائد الديوان لتأخذ موقعها في سياق جسد القصيدة المطبوعة ، كما حرصت على تصوير عناوين القصائد كما هي في المخطوطة، بما في ذلك ما خطه بنفسه حين لم يجد العنوان المخطوط في الجريدة، وكما أضاف لها عبد العزيز من تخطيطات جمالية .

وبعد....
هذه إيضاحات واجتهادات أتحمّل تبعاتها وحدي..
وهذا كتاب يضم جزءاً مهماً من اشتغالات عبد العزيز مشري، في الرسم بالكلمات، وفي العزف على ريشة التشكيل..
ولم يتبق لي هنا سوى أن أفتح الباب لقراءة "مقدمة تحليلية" ضافية لهذا الكتاب، أعدها صديقنا يوسف شُغري، الشاعر والناقد التشكيلي السوري، المعروف.

علي الدميني
من أعضاء مجموعة
" أصدقاء الإبداع – أصدقاء عبد العزيز مشري "

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-08-2012, 11:11 AM   رقم المشاركة : 2

 

اليوم الخميس ، علي الدميني يوقع كتابه الجديد ، وكتابا آخر للراحل عبد العزيز مشري


يوقع اليوم الخميس 8/ مارس/2012م في معرض الكتاب الدولي
وفي تمام الساعة السابعة مساء كتابه الجديد
"أمام مرآة محمد العلي"


كما يوقع أيضا المجلد الرابع من سلسلة أعمال الراحل عبد العزيز مشري
والذي يضم ديوان شعر بعنوان " توسلات في زمن الجفاف"
ومجموعة من تشكيلاته الفنية بالحبر وبالريشة.





والكتابان معروضان في مؤسسة الانتشار العربي
بالمعرض

نقلاً عن منبر الحوار والإبداع

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-08-2012, 11:48 AM   رقم المشاركة : 3

 

عبدالعزيز مشري في الآثار الكاملة
فنان لا يشبه أحداً إلاّ ذاته


يوسف إسماعيل شغري



ربما تكون أولى صفات أي مبدع حق أن يتميز صوته الخاص بحيث لا يكون صدى لأحد بل يؤكد نفسه وبصمته الفنية المتميزة الأصيلة فينتج فنَّاً أصيلاَ نبع من روحه المبدعة المتفردة. إنَّ هذه الصفة هي أول ما يخطر على بال القارئ الجيد لمجموعة القصائد النثرية والرسومات والأعمال الفنية التشكيلية للفنان الشامل والأديب المبدع عبد العزيز مشري.

صوت فني مبدع متفرد تلمسه وأنت تتابع قصائده.. وما أكثر ما قرأت من نتاجات لأدباء ما هي إلاّ صدى للآخرين فهذا صدى لأدونيس وذاك لمحمود درويش وهذا لنزار قباني.. .ألخ. فأقول لنفسي مالي وللصدى فلأقرأ الصوت الأصيل !! وكم من الكواكب الصغيرة الباهتة تدور حول الشموس وتستضئ بنورها!!

واعتباراً من قصيدته الموسومة بعنوان المجموعة « توسلات في زمن الجفاف « وحتى النص الأخير في المجموعة رأيت أنها تؤكد وتبرز هذه الصفة الرئيسية في نصوصه. فهو يستخدم ضمير المتكلم الخاص به وكاف الخطاب المؤنثة الخاصة بالأنثى / المرأة التي يعشقها ليصعّد تجربته الإنسانية والحميمة في البوح بمكنوناتِ روحه المبدعة:

قرّرتُ أن أدفنكِ في غضبي..

ألفّكِ بحزني..

وأنفحُ فيك رذاذ حرقتي..

قرّرتُ..

أن أغلّفكِ بنبضي الهمجي،

كطبلٍ أفريقي،

وأسدل عليكِ ستاراً،

من وجودي.

فانظر إلى البوح الهامس.. إلى المرأة التي يحبّها ويبثّها مكنونات روحه، وكيف تشع جوّاً من الحميمية باستخدامه ياء المتكلم، كاف الخطاب، مباشرة إلى المرأة التي يعشقها. وفي أحيان أخرى نراه يستخدم المونولوج الداخلي ليعبر عن تأمّله في الأشياء حوله والأحداث التي مرت به وشكّلت تراجيديا حياته وآلامه!!

لو

مزّقتني عبراتُ الألم..

لو أرّقتني :

ضياعاً في الآمال الوهمية الهامدة ،

وثواني سهراتي الوحيدة..

لو يقطر جرحي المعتق في حنايا النفس المذعورة :

قهراً.. صبراً، وقتلاً بطيئاً.

وارثٌ مورِّث

أقابل الأسماء البذيئة في حوطة الأجداث

وأنا على مسافة خيطٍ من الدّم.. .

ألمحُهم وأتوق !

وربَّما تكون التلقائية والبساطة والوضوح هي الصفات الغالبة على نصوصه بحيث يمكن أن نطلق على نصوصه صفة السهل الممتنع ذي الخصوصية التي تعبر عن مكنونات روحه وآماله وآلامه وعواطفه الحميمة، وكأنه يكتب نصَّه بنفَس واحد. ولا يبدو للوهلة الأولى أن مشري يشتغل على نصه، حيث لا تكاد تلحظ أنه يشتغل عليه، إذ لا تظهر الصنعة في نصوصه.

ومن المعروف أن الفنان الحق هو الذي يخفي صنعته بحيث يوهم المتلقي بان النص وُلد مرة واحدة! وأنَّه تدفق من روح الكاتب مرة واحدة بكل تلقائية دون أن تتدخّل الصنعة بالحذف أو الإضافة، حتى لا يوحي بالافتعال.

ويتوسّل الأديب الفنان مشري بوسائل قصيدة النثر بحيث يكتشف صوراً بيانية جديدة وفريدة دون أن يكرر صوراً سابقة مجتَّرة كما يحدث كثيراً في القصيدة العمودية. كما يبتكر لكل قصيدة إيقاعها الخاص النابع من أجوائها والمعاني وظلالها التي تغني المعنى والسياق الشعري جمالياً. لقد كان يبتكر لكل قصيدة إيقاعها الخاص بحيث يتدفق الإيقاع عفوياً، ولكن عين الدارس لنصه لا تخطئه. وسنأخذ هنا قصيدته « توسلات في زمن القحط» على سبيل المثال لا الحصر. فنلاحظ عند نهاية كل سطر انتهائه بياء المتكلم: غضبي.. حزني.. حرقتي.. . وجودي... إلخ مما يخلق إيقاعاً موسيقياً وهناك أيضاً مقاطع صوتية تتكرر داخلياً في جملته الشعرية ومثال ذلك تكرار كاف الخطاب المؤنثة : أدفئكِ.. ألفُّكِ.. عليكِ.. لأنَّكِ.. . أحملكِ... إلخ. ويلجأ أحياناً إلى تكرار كلمة بعينها ليستكمل الصورة التي يبدعها وهنا مثال على ذلك:

في الدروب التي تبتلع خطى الغرباء

الدروب التي تلتهم الأقدام الراحلة

تلتهم خطواتي المتكسرة..

خطواتي المعفّرة بالغربة

خطواتي المتشققة بتعب الهجرة..

وهذا يتكرر في قصائده.. وأحيانا تقوده غريزته الشعرية إلى نوع من القافية، مثل :

رحلة طائر مهاجر

داخل قفص العذاب

فبرغم أن قضبانه نُسجت من ذهب

غير أنَّه يتمنى لثمةً من تراب .

وفي موضع آخر، يقول :

تجوّلتُ..

طُفتُ بكل شوارع المدينة

انغمرتُ :

وجهاً مثقلاً بالحياء

عيناً مترعةً بالحزن والوفاء

قلباً متخماً بالهزائم والجراح، والجفاء.

إذن فالشاعر يبتكر المقاطع الصوتية التي تعطي الإيقاع الموسيقي لنصِّه لكن دون أن يلزم نفسه بالإيقاعات المحفوظة من التراث الشعري العربي التقليدي، فالقصيدة بكاملها بما فيها الإيقاع النغمي، كل ذلك من ابتكار وإبداع الفنان نفسه.

ونصّ مشري، كما في قصيدة النثر عموماً، يعتمد التصوير الفنِّي أساساً فيقدِّم اكتشافات ممتعة من ابتكاره المتفرِّد وذلك في ضمن تماسك النص وسلاسته وتلقائيته التي تترك القارئ يتمتع برعشة الشعر الأصيل. ففي قصيدته الأولى « توسلات.. « يفتتح النص بصورة مدهشة تصعِّد المعنى فتخرجه من نطاق النص العادي إلى تميز الشعر بحيث تنسجم مع مجمل رؤية القصيدة:

قرّرتُ أن أدفنك في غضبي..

ألفّك بحزني..

إنَّه لا يدفنها في أديم الأرض، ولا يهيل عليها التراب لكنَّه يدفنها في غضبه ولا يلفّها بالكفن بل يجعل حزنه عليها كفناً لها، ذلك لأن موتها الرمزي هنا ليس موتاً عادياً، إنما هو موت مجازي.

وأنفحُ فيك رذاذ حرقتي..

أيُّ رذاذ هذا ؟! فهو ليس رذاذ المطر أو الماء بل رذاذ حرقته عليها إننا نراه هنا، كما في مواضع كثيرة من نصوصه، يجمع الرذاذ إلى الحرقة ليبتكر صورته المدهشة التي تعمِّق المعنى.

قرّرتُ..

أن أغلّفكِ بنبضي الهمجي،

كطبلٍ أفريقي،

هنا يغلفها ليس بقماش بل بنبضه!! وهو ليس نبضاً عادياً.. إنَّه نبضٌ جارف، قوي متدفق.. نبض همجي !! وهمجيته تشبه همجية الطبل الإفريقي.. فانظر الربط الجميل بين الطبل الإفريقي الذي يوحي بالبدائية والهمجية، ونبضه الذي جعله غلافاً لحبيبته!! فهل قرأنا في تراث الشعر العربي برمته صورة مشابهة؟!!

إنَّه ابتكار أصيل ومتفرد وهذا من سمات قصيدة النثر التي لا تحتمل تكرار الصور كما هو الحال في الشعر العربي التقليدي وخاصة في كثير من نتاج القصيدة العمودية للمتأخرين من الشعراء.

ولو تتبعنا بقية نصوص المشري لوجدنا صوراً فنية هي اكتشافات مدهشة وممتعة تعزز قوة نصوص هذا الفنان المتفرد.خذ على سبيل المثال لا الحصر :

« عند انسلال الضوء من رغيف القمر «..

فأيّ انسلال هذا ومن أين ينسل الضوء؟.. ورغم أن القمر كان دائماً موضع تصوير وإعادة تصوير في الشعر العربي قديمه وحديثه إلا أن مشري هنا يربط بينه والرغيف !! وذلك يعطي ظلالاً أكثر من بما يرتبط الرغيف في أذهاننا من كونه الحد الأدنى لمعيشة الفقراء وبين المعنى الرومانسي المعروف للقمر.. وانظر إلى اختيار الشاعر ل « انسلال « وهذا يعني أن الليل خرج من رغيف القمر خيطاً خيطاً !! فتأملْ مقدار ما تحمل هذه الصورة من القيم الجمالية الممتعة ومن المعاني وظلالها التي لا تنتهي!! ونرى القمر أيضاً في اكتشافات أخرى للشاعر المبدع، انظرْ هنا :

« تغنيت في وجهكِ المغسول بالقمر «

هل القمر ماء ؟ أم المقصود ضياءه؟ يتغنى بوجهها المغسول بالضياء!! وهنا بعض من اكتشافات مشري الشعرية :

« ذوبي كالأريج في رمل الظلام «

«إنّ تحت غابة قلبي

قصوراً من الأشواك «

« سيدتي تنمو جدائلها على امتداد الشواطئ

على امتداد أصوات الطيور»

« لكنني مثل رمشك غافٍ

أرقص بساق واحدة .»

« رأيت انسكابات الليل

تغلّف جبين الماء ،

فانغمسَتْ انتظاراتي في بوادر الفجر..

ذابت لهفتي في جمرات الغسق ،»

وهذا غيض من فيض من إبداعات وتصوير الفنان مشري الأصيلة.

وقد غنَّى الفنان كما ذكرت سابقاً آماله وآلامه من خلال الحبيبة وضمن قصائد ولوحاته رؤاه المستنيرة المتطلعة إلى آفاقٍ حرَّة حديثة ومنفتحة على العالم . فكما كان في تصوره الشعري مبدعاً متفرداً أصيلا، كذلك كان في رسوماته الجرافيكية وموتيفاته التي اطلعتُ عليها وفي لوحاته الملَّونة القليلة التي شاهدتها للفنان.

ففي رسوماته الجرافيكية المنفذة بالحبر الصيني ( ابيض واسود ) يصور المشري بورتريهات وهي على الأغلب وجوه نساء مختلفة يقوم الفنان في معظمها بإلغاء التدرج من الأسود إلى الأبيض على طريقة مدرسة الجرافيك الروسية الشهيرة بحيث يصعد التضاد بين الأبيض والأسود فتبرز الأقسام المضاءة مستخدما بياض الورقة التي ينفذ عليها رسمه. وهذه المجموعة تبرز مقدرة الفنان على تلخيص التفاصيل لصالح التضاد ( كونتراست ).والمجموعة الثانية من رسومه الجرافيكية ( بالأبيض والأسود) نفذها الفنان كموتيفات صحفية ترافق بعض قصصه التي نشرت في الصحف أو الكتب أو هي عبارة عن أغلفة لبعض كتبه.وهنا نرى عبد العزيز مشري على عكس طريقته في رسم البورترية يقوم بتصميم التكوين أقرب إلى المدارس الفنية الحديثة كالسريالية والتجريدية فيداخل في بعضها الأشكال التي تعبر عن أفكاره ويحور في الشكل الواقعي بحيث يصل إلى ابتكار وتصميم خاص بالفنان وفكرته التي يريد تنفيذها. ولا تخلو هذه المجموعة من العوامل الجمالية العميقة من توازن الكتل في التكوين الذي يصممه الفنان في فراغ الورق الأبيض إلى دراسة العناصر المختلفة كالأيدي والعمارات والطيور كالحمام وغيره . وربما تكون تجربة مشري الصحفية ورسمه الموتيفات للمواضيع الثقافية وكذلك الوسط الثقافي الذي احتكَّ به في الصحيفة والحوارات التي جرت من قبل الشاعر علي الدميني وجبير المليحان حفز الفنان على تطوير تجربته ونقلها من الأسلوب التشبيهي الواقعي إلى أفاق أرحب من مدارس الفن الحديث كالتجريدية والسريالية. لا شك أن التجربة الجرافيكية الغنية للفنان تعتبر من التجارب المميزة التي أكدت تميز تجربته التشكيلية إلى جانب المجالات الأدبية التي اشتغل عليها الفنان. وتؤكد لوحاته الملونة كذلك فهمه العميق للون والتعامل مع فراغ اللوحة وتوزيع العناصر المختلفة بفهم جيد لأساسيات فن التصوير الزيتي رغم عدم دراسته الأكاديمية في هذا المجال . فنراه يستخدم الألوان الرئيسية في معظم لوحاته وهذا دليل هام على ذائقته الجمالية والبصرية المميزة . ومن ذلك أيضاً تعامله مع الإضاءة والتعتيم في اللوحة والتضادات بين الألوان الباردة والحارة من أجل تصعيد دراما الموضوع الذي يشتغل علية. وحملت لوحات وموتيفات الفنان الجرافيكية هموم الفنان واهتماماته وعكست بقوة تراجيديا الحياة بحلوها ومرِّها وحملت بعض الثيمات في أعماله دلالات رمزية كالعين والضوء الذي ينعكس من القلب... إلخ. وفي عمل من أعماله يصور رأس جمل في صحراء يهيمن على المشهد ويبدو الإنسان ضئيلاً بالمقارنة مع الجمل وهذا له دلالاته الرمزية التي قصد الفنان الإشارة إليها.. ولا يلجأ الفنان إلى العجينة السميكة والغنية للون بل يميل إلى التقشف وإيثار الألوان الممددة بحيث تظهر حركة الفرشاة في المساحات الملونة .

لاشك أن تجربة مشري برمتها من مجالات مختلفة في الأدب والفن التشكيلي تتميز بفرادتها وتعبيرها العميق عن موقف الفنان في الحياة والأمكنة والناس الذين عاش بينهم وتعكس بقوة موقفه الإنساني والمتنور وانفتاحه على الجديد والمتقدم من الحياة. كما تعبر تجربته الفنية عن مأساة مرضه وحزنه العميق الذي يلف الكثير من لوحاته ونصوصه. ويبقى أن نقول أن قصائد عبد العزيز مشري ولوحاته تترك في نفس المتلقي تلك النكهة الخاصة والمتعة والتأمل في جماليات وعمق المعاني الإنسانية في تجربة فنان لا يشبه أحداً سوى ذاته.



يوسف إسماعيل شغري

الدمام

ثقافية الجزيرة
8/3/2012م

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-08-2012, 02:05 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
عبدالله أبوعالي is on a distinguished road


 


المبدعة الراقية :
مشرف عام 3

فمن لهكذا إبداع سواك
من باب المصادفة كنت والصديق
مسفر(أبوضياء) نتحدث عن عبدالعزيز
الأسبوع الفائت (فلسفته تجاه الحياه وإدراكه
لدوره المحوري فيها) وهو تقييم لأنفسنا
من خلال عبدالعزيز وفي منتصف الأسبوع
علمت أنّ الوفي للإبداع الصديق :أبوعادل
سيقوم ومن خلال معرض الكتاب بالتوقيع
على المؤلف الخاص بمشري وهاهو الحلم
يتجسد كواقع بهذا الخبر الذي تطرحه المتألقة
دائماً : مشرف عام 3 .

لن اتحدث عن جمال ونضج الإبداع الشمولي
لعبدالعزيز ولصنوه علي الدميني فشاهدتي فيهما
مجروحة ربّما لحبي الشديد لهما وولعي بهما
منذ الصغر أو لأنّهما يمثلان لديّ النموذج الفعلي
ل (المثقف الحر) والمبدع المتميز ولكنّني أنصح
كل من يحب الإبداع بإقتناء النسختين والإطلاع
عليهما حتى لو من خلال منبر الحوار .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-08-2012, 02:18 PM   رقم المشاركة : 5

 

أخي الفاضل عبدالله أبوعالي

الأديبان عبدالعزيز مشري يرحمه الله وعلي الدميني أطال الله بقاءه
هما مشعلان رائدان من مشاعل الأدب والثقافة على الساحة الأدبية السعودية نعتز ونفخر بماقدماه
من منجزات أدبية متنوعة بين الشعر والقص والرويّ والنقد والمقال ، والفنون الإبداعية الأخرى
فصار لزاماً علينا تتبع آثارهما الأدبية ونشرها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا


ممتن لك هذا المرور السخي
وآمل الحصول على الكتابين
دمت بود

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:14 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir