يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-15-2012, 10:51 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

سلوا الله اليقين

ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة yvm wtv 1434iJ بعنوان: "سلوا الله اليقين"، والتي تحدَّث فيها عن اليقين وأثره في حياة المسلم، وذكرَ بعضَ الأدلَّة من القرآن والسنة وآثار الصحابة على أهميتِه وفضلِه وعِظَم أثرِه.

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
أيها المسلمون:
صفةٌ عزيزٌ نوالُها، ومطمعٌ تتوقُ إليه كلُّ نفسِ عاقلٍ لبيبٍ، هي طريقٌ قلَّ سالِكوه، وإنها الحادِي في المهامِه، والمُؤنِس في وحشَة الأثَرة، وهي القوةُ في زوبَعةِ الضَّعفِ، والرِّيِّ في ذروة العطَش. هي قبسٌ في ظُلمةٍ، وكثرةٌ في قلَّةٍ.
من اتَّصَفَ بها بلغَ عنانَ السماءِ وإن كان مُضطجِعًا على فِراشِه، للمُتدثِّر بها من الهيبة والوقار والرِّفعة ما لا يفتقِرُ معه إلى حسَبٍ أو نسَبٍ أو جاهٍ، فلا هي بالمال تُشتَرى، ولا بالقوة تُكتسب.
هي صفةٌ وخصلةٌ حضَّ عليها نبيُّنا وقُدوتُنا - صلوات الله وسلامه عليه -، ولا يأمرُنا إلا بما هو خير؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «سلُوا اللهَ اليقينَ والمُعافاة؛ فإنه لم يُؤتَ أحدٌ بعد اليقين خيرًا من المُعافاة»؛ رواه أحمد.
إنه اليقينُ - عباد الله -، اليقينُ الذي يستقرُّ معه العلمُ بالله - جل وعلا -؛ فلا ينقلِبُ ولا يحُول، ولا يتغيَّرُ في قلبِ المُوقِن؛ بل تغشاه طُمأنينةُ القلبِ على حقيقة الشيء، وتحقيق الإيمان بالغيب الغابِر والحاضر والمُستقبل، بإزالةِ كلِّ شكٍّ أو ريبٍ في جنب الله.
يُحقِّقُ المرءُ في ذلك من خلال يقينه جميعَ مراتبِ اليقين المشهورة، وهي: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين.
هو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد؛ فمن عاشَ بلا يقينٍ ففيه من صفاتِ الميت بلا روحٍ، فلا بُدَّ للمُؤمنِ من اليقين في خبر الله - سبحانه -، فيُوقِنُ المرءُ بكل ما أخبرَ به - سبحانه -، وبكل ما أخبرَ به رسولُه - صلى الله عليه وسلم -، ويُؤمنُ بأمر الله ونهيِه وأمرِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم – ونهيِه.
ليشعُر بالرِّفعةِ والغِبطةِ بأن يصِلَ درجةً فيه قد سبقَه إليها خيارُ أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بعده، وهو الصدِّيقُ - رضي الله تعالى عنه - الذي جعله اليقينُ صامِدًا ثابتًا في ثلاثة مواقف سجَّلها التأريخُ بمِدادٍ من نورٍ في زمنِ فتنةٍ تهتزُّ لها الجبالُ الراسيات:
أولُها: حينما أتاه كُفَّارُ قريشٍ يُريدون أن يُشكِّكوه في دينه، وما يُخبِرُ به نبيُّه وصاحبُه - صلوات الله وسلامه عليه -، فيقولون له: إن صاحبَك زعمَ أنه أُسرِيَ به لبيت المقدِس، وعُرِج به إلى السماء. فأجابَ دون تريُّثٍ حتى يسمعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا يقول؛ بل قال - مُوقِنًا بعلمه بخبر الصادق المصدوق - صلوات الله وسلامه عليه -، فقال قولتَه المشهورةَ: "إن كان قالَه فقد صدقَ".
نعم، "إن كان قالَه فقد صدقَ".
والموقفُ الآخر: حينما صعدَ أمام الملأ وهم يصطرِخون غيرَ مُصدِّقين بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من كان يعبُدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبُدُ اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموت".
والموقفُ الثالث: حينما صمَدَ فردًا كأمَّةٍ في قتال المُرتدِّين، وقال قولتَه المشهورةَ: "واللهِ لأُقاتِلنَّ من فرَّقَ بين الصلاةِ والزكاةِ، واللهِ لو منَعوني عِقالاً كانوا يُؤدُّونَها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتَلتُهم عليها".
فاليقينُ ليس اقتِناعًا عقليًّا مُجرَّدًا فحسبُ؛ بل لو كان الأمرُ كذلك لما احتاجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أكملُ الناس عقلاً، وأنقاهم لُبًّا قبل بعثتِه - صلوا الله وسلامه عليه -، ومع ذلك قال الله عنه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: 52، 53].
ومن هذا المُنطلَق؛ سألَ هِرقلُ أبا سفيان - رضي الله عنه - قبل إسلامه -: هل يرجِعُ أحدٌ - أي: من أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن دينه سخطةً له بعد أن يدخل فيه؟ قال: "لا"، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطَت بشاشتُه القلوبَ لا يسخطُه أحدٌ.
ومعلومٌ - عباد الله - أن الإيمانَ إذا لامسَت بشاشتُه القلبَ ارتفعَ بصاحبِه إلى درجةِ اليقين التي لا يعقبُها سخَطٌ على شيءٍ من دين الله.
إن المرءَ المُؤمِنَ بربِّه إذا عاشَ حياتَه باليقين بالله علِمَ أن الدنيا لا تُساوي عند الله جناحَ بعوضةٍ، وأنه لن يأخُذ منها إلا ما كُتِبَ له فيها؛ لأن له غايةً ساميةً ترتفعُ عن غايات الآخرين، ومن ذاقَ عرَفَ، وليس راءٍ كمن سمِع؛ لأنه عملٌ قلبيٌّ بين المرء وبين ربِّه لا يرى أثرَه عليه من الناس إلا ذوو البصيرة اللمَّاحُون، وبخاصَّةٍ حالَ خشية الله في الغيبِ والشهادة، وقولِ الحقِّ في الغضبِ والرِّضا، والامتِثال بأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المنشَط والمكرَه.
وحُقَّ لصاحب اليقين هذا أن يُؤتَى البصيرة والهُدى والرحمة، وما قِوامُ الحياة الدينية الحقَّة إل بتلكُم الخِصال الثلاث، ولقد صدقَ الله - سبحانه -: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: 20].
المُوقِنُ حقًّا - عباد الله - هو من لا يعرِفُ إلا الله، ولا يرجُو غيرَه، ولا يخافُ إلا هو، لا يضُرُّه من ضلَّ إذا هو اهتدَى، يرضَى أن يذهبَ الناسُ بالشاء والبعير، والدينار والدرهَم، والحسَب والجاهِ، ويذهبَ هو بربِّه - جلَّ شأنُه -؛ لأن من عرفَ اللهَ فلن يُبالِيَ بمن لا يعرِفُ الله، ومن عرفَ الحقَّ فلن يُضيرَه من لا يعرِفُ إلا الباطلَ.
ولا جرَم - عباد الله -؛ فمن وجدَ اللهَ فماذا فقدَ؟! ومن فقدَ اللهَ فماذا عساه أن يجِد؟!
لقد أكرمَ اللهُ الخليلَ إبراهيم - عليه السلام - باليقين؛ حيث قال: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75].
فكان يقينُه بالله لا يزيدُه إلا إيمانًا بربِّه، وأنه على الحقِّ المُبين، ولا يزيدُه إلا قناعةً بضلال قومِه وانحِرافِهم عن جادَّة الطريقِ، الذين اتَّخَذوا من دون الله آلهةً وصدُّوا عن سبيل الله وكانوا مُستبصِرين.
اليقينُ - باد الله - هو الذي جعلَ الخليلَ إبراهيم - عليه السلام - يمتثِلُ أمرَ ربِّه في ذبحِ ابنِه إسماعيل، وهو الذي جعلَ ولدَه إسماعيل يقول لأبيه: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102].
قال - صلوات الله وسلامه عليه -: «أحبُّ الأعمال إلى الله: إيمانٌ لا ريبَ فيه، أو لا شكَّ فيه»؛ رواه أحمد.
وهذه مرتبةُ علمِ اليقين المشهورة.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "الصبرُ شطرُ الإيمان، واليقينُ الإيمانُ كلُّه"؛ رواه البخاري.
إنه لا يُمكن لأحدٍ أن يكون هادِيًا مهديًّا في بيته وسُوقه، ومُجتمعه وأمَّته وهو فاقدٌ أهمَّ مُقوِّمات اليقين بالله؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24]، ولم يقُل: يشكُرون، أو يعقِلون، أو يسمَعون؛ لأن المُتَّصفين بها كثُر.
ولأجل هذا؛ لما كانت الإمامةُ في الدين عزيزةً ربَطَها بأمرٍ عزيزٍ في القلوبِ - وهو اليقينُ بالله -، ولا يُدرِكُ حقيقةَ اليقين ولا يستطعِمُ ثمرتَه إلا من نظرَ للموت والحياةِ نظرَ العالِمِ العارِفِ.
ولقد اختصرَ أميرُ المؤمنين عليٌّ - رضي الله عنه - صورةَ اليقين في أوجز عبارةٍ في التعامُل مع العيش والموت، اللَّذَيْن هما محلُّ اليقين بالله، فقال - رضي الله تعالى عنه -:
أيُّ يوميَّ من الموتِ أفِرُّ يومَ لا يُقدَر أو يوم قُدِر
يوم لا يُقدَر لا أحذَرُه ومن المقدورِ لا ينجُو الحَذِر
فهذا يقينٌ استحضَرَ فيه كلَّ لحظةٍ تضعُفُ فيها النفسُ مع زُخرُف الدنيا على حسابِ خالقِها ومولاها، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة: 38].
بسم الله الرحمن الرحيم: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 1- 8].
باركَ الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فاعلَموا - يا رعاكم الله - أن اليقينَ بالله قد أوصلَ عبادَه الراسِخين في العلمِ إلى أن يقولوا عن دين الله وأمرِه ونهيِه: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7]، لا يُمارُون في ذلك، ولا يُجادِلون في حقيقته، ولا ينكُثون عنه، ولا يُؤمِنون ببعضِه ويكفُرون ببعضٍ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور: 49، 50].
فارتِضاءُ شرع الله بحذافِيره على أكمل وجهٍ هو أساسُ اليقين بالله الذي لا يقبَلُ التجزِئةَ والتبعيضَ، ولقد صدقَ الله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
ولقد كان من دُعاء المُصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - في الحديث المشهور: «ومن اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصائبَ الدنيا»؛ رواه الترمذي.
أي: هبْ لنا من اليقين ما نرضَى به على كل بلاءٍ ومُصيبةٍ لك فيها حِكمة؛ لئلا نسخَطَ شيئًا من أمرِك وقدرِك، وألا نرتدَّ على أعقابنا بمُجادلتِنا في الاستِسلام لشرعِك.
إن يقينَ المُؤمن كالنور من فوقِه النور يُضيءُ في سمائه على الدوام؛ لأنه يُدرِكُ أن اللهَ يرى مكانَه، ويسمعُ نجواه، ويعلمُ بلْواه وأزيزَ صدره المُفعَم باليقين، ليُدرِك أن ما أصابَه لم يكن ليُخطِئه، وما أخطأَه لم يكن ليُصيبَه، وأنه ما ابتلاهُ إلا ليُعافِيَه، وما أخذَ منه إلا ليُعطِيَه، وما نقصَ منه إلا ليزيدَه، يأخُذ بيدِه في المضايِق، ويطوِي له الطريقَ إذا جدَّ به المسيرُ، وفي نهاية النفقِ المُظلِم ضوءٌ ساطِعٌ، وللأقفال مفاتيح، وللظمآن مورِد، وفي المِحَن منَح، وبعد التَّرَح فرَح، وتحت الرُّغوة اللَّبنُ الصريحُ، وما الدُّنيا إلا كسرابٍ بقيعةٍ، وأنَّ مردَّنا إلى الله، وأنَّ الآخرةَ هي دارُ القرار.
من رامَ أن يحيا حياةً حرَّةً ويُعزَّ في دنيا الورَى والدينِ
فليَرْجُ عافيةً يقَرُّ بمثلِها وليحمِ إيمانًا له بيقينِ
هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ صاحبِ الوجه الأنور، والجبين الأزهَر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أحسِن أحوالَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم أحسِن أحوالَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم ألِّف بين قلوبِهم، اللهم كُن لإخواننا المُضطهَدين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم، وانصُرهم ولا تخذُلهم، اللهم انصُرهم على من ظلمَهم.
اللهم انصُر إخواننا المُسلمين في بُورما، وفي سُوريا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وبال يا حي يا قيوم، يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك فلا تمنَع عنا ذنوبِنا فضلَك.
اللهم لتَجْعلَه بلاغًا للحاضرِ والباد يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-28-2012, 06:42 PM   رقم المشاركة : 2

 

اتقاء الفتن
ألقى فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة 15 محرم 1434هـ بعنوان: "اتقاء الفتن"، والتي تحدَّث فيها عن الفتنِ وكيفية اتِّقائِها والنجاة منها، وبيَّن أنها نوعان: فتنُ الشُّبُهات وهي أخطرُها وأشدُّها، وفتنُ الشَّهوات، وذكرَ بعضَ الآيات والأحاديث المُدعِّمةِ لذلك.

الخطبة الأولى
الحمد لله الملك القدوس السلام، أحمده - سبحانه - على آلائه ومِنَنه العِظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله قدوةُ المُتقين وسيدُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبِه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ما تعاقَبَت الليالي والأيام.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واذكُروا أنكم وقوفَكم بين يديه - سبحانه -، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[الشعراء: 88، 89].
أيها المسلمون:
كمالُ الحِرصِ على اتِّقاءِ الفتنةِ، والحذرِ من سُلوك سبيلِها والتعرُّض لأسباب الوقوع فيها ديدَنُ أُولِي الألباب، وطريقُ من خشِيَ الرحمنَ بالغيب، ونهجُ ذوي البصيرة من عباد لله، يحدُوهم إلى ذلك قوةُ يقين، وكمالُ تصديقٍ بما جاء عن الله ورسوله - صلوات الله وسلامه عليه - من البيِّناتِ المُحذِّرة من غوائِلها، الدالَّة على سبيل السلامة من شُرورها، المُرشِدة إلى الطريق الواجبِ انتِهاجُه وقتَ وقوعِها.
وفي الطليعةِ من ذلك: قولُ ربِّنا - سبحانه - في التحذير منها، وبيان عمومِ الضَّرر بها: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[الأنفال: 25]، وقولُ نبيِّنا - صلواتُ الله وسلامه عليه -: «ستكونُ فتنٌ القاعِدُ فيها خيرٌ من القائِم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشِي، والماشِي فيها خيرٌ من السَّاعِي، ومن تشرَّف لها - أي: تُهلِكُه، بأن يُشرِفَ منها على الهلاك -». وحاصِلُه: أنَّ من تعرَّض لها بشخصِه تعرَّضَت له بشرِّها.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن وجدَ ملجَأً أو معاذًا فليَعُذْ به - أي: فليلْجَأْ إليه -»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".
وقولُه - عليه الصلاة والسلام -: «بادِرُوا بالأعمال فِتَنًا كقِطع الليل المُظلِم، يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، أو يُمسِي مؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ولا ريبَ أن معرفةَ حقيقة الفتنةِ أصلُ درءِ خطرِها،وصون النفس عن الاصطِلاء بنارِها.
والفتنةُ - كما قال ابن القيم - رحمه الله - نوعان: "فتنةُ الشُّبهات - وهي أعظمُ الفتنتَيْن -، وفتنةُ الشَّهوات. وقد يجتمِعان للعبد، وقد ينفرِدُ بإحداهما. ففتنةُ الشُّبُهات ناشِئةٌ من ضعفِ البصيرة، وقِلَّة العلم، لا سيَّما إذا اقترنَ بذلك: فسادُ القصد، وحُصولُ الهوَى، فهنالك الفتنةُ العُظمى، والمُصيبةُ الكُبرى".
فقُل ما شئتَ في ضلال سيِّئ القصدِ الذي حكَمَ عليه الهوَى لا الهُدى، مع ضعفِ بصيرتِه، وقِلَّة علمِه بما بعثَ اللهُ به رسولَه - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ[النجم: 23].
وقد أخبرَ الله - سبحانه - أن اتِّباعَ الهوى يُضِلُّ عن سبيلِه فقال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[ص: 26].
وهذه الفتنةُ - يا عباد الله - مآلُها إلى الكفر والنِّفاق، وهي فتنةُ المنافقين وفتنةُ أهل البِدَع على حسب مراتبِ بدَعهم، ولا يُنجِّي من هذه الفتنة إلا تجريدُ اتِّباع الرسُول - صلى الله عليه وسلم - وتحكيمُه في دقِّ الدين وجِلِّه، ظاهره وباطنِه، عقائِدِه وأعمالِه، حقائِقِه وشرائِعِه.
فيُتلقَّى عنه - عليه الصلاة والسلام - حقائقُ الإيمان وشرائعُ الإسلام، وما يُثبِتُه لله من الصفاتِ والأفعال والأسماء، وما ينفِيه عنه، كما يُتلقَّى عنه وجوبُ الصلوات وأوقاتُها وأعدادُها، ومقاديرُ الزكاة ومُستحقِّيها، ووجوبُ الوضوء، وصومُ رمضان، وحجُّ البيت لمن استطَاع إليه سبيلاً، وغيرُ ذلك من شرائع الإسلام.
فلا يجعلُه رسولاً في شيءٍ دون شيءٍ من أمور الدين؛ بل هو رسولٌ في كل شيءٍ تحتاجُ إليه الأمةُ في العلم والعمل، لا يُتلقَّى إلا عنه، ولا يُؤخَذُ إلا منه - عليه الصلاة والسلام -.
وأما النوعُ الثاني من الفتنة: فهي فتنةُ الشَّهوات. وقد جمع - سبحانه - بين ذكرِ الفِتنتَيْن في قوله - عزَّ اسمُه -: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ[التوبة: 69]؛ أي: تمتَّعوا بنصيبِهم من الدنيا وشهَواتِها، والخلاقُ هو النَّصيبُ المُقدَّر، ثم قال: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا، فهذا الخوضُ بالباطلِ وهو الشُّبُهات.
فأشارَ - سبحانه - في هذه الآية إلى ما يكونُ به فسادُ القلوب والأديان من الاستِمتاع بالخلاقِ والخوضِ في الباطل؛ لأن فسادَ الدين إما أن يكون باعتِقاد الباطلِ والتكلُّم به، أو بالعمل بخلافِ العلمِ الصحيح.
وأصلُ كلِّ فتنةٍ إنما هو من تقديمِ الرأي على الشرع، والهوى على العقل، وتقديمُ الرأي على الشرع أصلُ فتنةِ الشُّبهة، وتقديمُ الهوى على العقل أصلُ فتنةِ الشَّهوة. وفتنةُ الشُّبهات تُدفعُ باليقين، وفتنةُ الشَّهوات تُدفَعُ بالصبر.
ولذلك جعلَ - سبحانه - إمامةَ الدين منوطةً بهذَين الأمرَيْن؛ فقال - عز وجل -: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[السجدة: 24]، وهو دليلٌ على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين، ودليلٌ أيضًا على أن فتنةَ الشَّهوة تُدفَعُ بكمال العقل والصبر، وأن فتنةَ الشُّبهة تُدفَعُ بكمال البصيرةِ واليقينِ؛ أي: بما جاء عن الله من البيِّنات والهُدى.
فاتقوا الله - عباد الله -، وحَذارِ ثم حذارِ من فتنِ الشُّبهات وفتنِ الشَّهوات.
اللهم إنا نسألك الثَّباتَ على دينِك، والاستِقامةَ على شرعِك، ونسألُك أن تقِيَنا من مُضِلاَّت الفِتَن، إنك سميعٌ مُجيبُ الدعاء.
نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ، إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلقَ فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله المُصطفى وحبيبُه المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن بهديِه اهتدَى.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن المُخالفَةَ عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سبيلُه، ومنهاجُه، وطريقتُه، وسُنَّتُه، وشريعتُه - هو من أعظم أسباب الفِتنةِ في الدين، كما قال - سبحانه -: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[النور: 63].
والمُراد: فليحْذَر وليَخشَ من خالفَ شريعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطِنًا وظاهِرًا أن تُصيبَهم فتنةٌ - أي: في قلوبهم - من كُفرٍ، أو نفاقٍ، أو بدعةٍ، أو يُصيبَهم عذابٌ أليمٌ؛ أي: في الدنيا بقتلٍ، أو حدٍّ، أو حبسٍ. كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مثَلي ومثَلُكم كمَثَل رجلٍ استوقَدَ نارًا، فلما أضاءَت ما حولَها جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُّ يقَعْنَ في النار، وجعلَ يحجِزُهنَّ ويغلِبْنَه فيقتحِمْنَ فيها». قال: «فذلِكَ مثلِي ومثَلُكم، أنا آخِذٌ بحُجَزِكم هلُمَّ عن النار فتغلِبُونَني وتقتحِمون فيها».
فاتقوا الله - عباد الله -، وحَذارِ من المُخالفَة عن أمر رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عاقبةَ ذلك الإصابةُ بالفِتنةِ في الدنيا، والعذابِ الأليم في الآخرة.
واذكروا على الدَّوام أن الله تعالى قد أمرَكم بالصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المُتَّقين، ورحمةِ الله للعالمين، فقال - سبحانه - في الكتابِ المُبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ، وكتابكَ، وسنةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمُسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا مَن إليه المرجِعُ يوم التَّناد.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتِك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطك، اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكَرات، وحُبَّ المساكين، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَّ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيك آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
اللهم قِنا شرَّ الفتن، اللهم قِنا شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن عن بلدنا هذا خاصَّةً، وعن كافة بلاد المُسلمين عامَّةً يا رب العالمين.
اللهم إنا نجعلُك في نحورِ أعدائِك وأعدائِنا، ونعوذُ بك من شرورهم، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ[آل عمران: 8]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23].
اللهم احفَظ المُسلمين في كل دِيارِهم، اللهم احفَظهم في سوريا، وفي فلسطين، وفي ميانمار، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم يا رب العالمين، اللهم كُن لهم، الله اجبُر كسرَهم، وارحَم ضعفَهم، واشفِ جرحاهم، واكتُب أجرَ الشهادة لقتلاهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
وصلَّى اللهم وسلَّم على عبدِه ورسولِه نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:37 AM   رقم المشاركة : 3

 

الفساد.. آثاره وكيفية مكافحته

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة 22 صفر 1434هـ بعنوان: "الفساد.. آثاره وكيفية مكافحته"، والتي تحدَّث فيها عن الفساد وآثاره الوخيمة على الأفراد والمُجتمعات، وذكرَ في عدَّة نقاطٍ السُّبُل الصحيحةَ في كيفية مُحاربته ودفعِه والتخلُّص منه.

الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله العلي العظيم، الجوادُ الكريم، جلَّ عن الشبيه والنَّظير، وتعالى عن المَثيل والظَّهير، أحمدُه - سبحانه - على سوابِغ نعمه، وأشكرُه على ما صرفَ من أسباب سخَطه ونِقَمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ توحيدٍ يأتي صاحبُها آمنًا يوم القيامة ويُحِلُّه بها ربُّه دارَ الكرامة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله علَّمه ربُّه ما لم يكن يعلم، وجعلَ أمَّتَه خيرَ الأمم، صلَّى الله عليه وبارَك وسلَّم، وعلى آله الطيبين الطاهرين نالُوا بهذا الدين عِزًّا وسُلطانًا، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين كانوا على الحق والخير إخوانًا وأعوانًا، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ممن إذا ذُكِّروا بآيات ربِّهم زادَتهم إيمانًا، ولم يخِرُّوا عليها صُمًّا وعُميانًا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، واستعينوا بربِّكم على تصاريف المقادير، آثِروا في الله حُبَّكم، وارعَوا حقوقَه في دينِكم، ولا يعظُمُ في أعيُنكم كبيرٌ من المعروف تفعلونَه، ولا تحتقِروا صغيرًا من المُنكَر تقترفُونَه، واعتبِروا بمن مضى، وتفكَّروا في مُنصرَف الفريقين: فريقٍ في الجنة يحبُّه الله ويرضاه، وفريقٍ في السَّعير يُبغِضُه الله ويأباه،
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ[المؤمنون: 101- 103].
أيها المسلمون:
حين يكونُ المُسلمُ الصالحُ في موقع المسؤوليَّة فهو الحارسُ الأمينُ - بإذن الله - لمُقدَّرات البلاد والعباد، يحفظُ الحقَّ، وينشُر العدل، ويُخلِصُ في العمل، ويُحافِظُ على مُكتسَبات الأمة. صاحبُ المسؤولية المُخلِصُ صالحٌ في نفسه مُصلِحٌ لغيره، يأمرُ بالصلاح، وينهى عن الفساد.
والإسلام قد جعلَ من الرَّقابة مسؤوليَّةً يتحمَّلُها الفردُ كما تتحمَّلُها الجماعة، وهذا هو الاحتِسابُ في بابِه الواسِع. فالاحتِسابُ بسَعته وشمُوله رَقابةً ومُراقبةً يحمِي الفردَ والمُجتمعَ والمُنشآت والدولة، يحميها - بإذن الله - من الفساد والإفساد، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[الحج: 41].
«من رأى منكم مُنكرًا فليُغيِّرهُ بيدِه، فإن لم يستطِع فبلِسانِه، فإن لم يستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان».
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[التوبة: 71]، وفي الحديث: «إن اللهَ لا يُعذِّبُ العامَّةَ بعملِ الخاصَّة، حتى يرَوا المُنكرَ بين ظهرانَيهم وهو قادِرون على أن يُنكِروه فلا يُنكِرونَه، فإذا فعلُوا ذلك عذَّبَ الله الخاصَّةَ والعامَّةَ».



معاشر المسلمين:
وظيفةُ الاحتِساب وظيفةٌ رقابيَّة في ميادين الأخلاق والدين والسياسة والاجتماع والإدارة والاقتصاد، وغيرها.
وقد قال أهلُ العلم: "إن الاحتِساب هو الأمرُ بالمعروف إذا ظهرَ تركُه، والنهيُ عن المُنكَر إذا ظهر فعلُ، تحقيقًا للعدل، ونشرًا للفضيلة، ومُكافحةً للفساد والرَّذيلة، وحمايةً للنَّزاهة والصلاح".
معاشر الإخوة:
الاحتِسابُ عملٌ رقابيٌّ توجيهيٌّ إرشاديٌّ لكل نشاطٍ مُجتمعيٍّ عامٍّ أو خاصٍّ؛ لتثبيتِ أصول الدين وأحكام الشرع، ومعايير الأخلاق، ورفع كفاءة الأداء كفاءةً وأداءً يتحقَّقُ به السلوك الرشيد، وتُعظَّمُ به المصلحةُ الفردية والاجتماعيَّة في الدنيا والآخرة.
إن العاملَ الصالحَ، والمُوظَّف الصالحَ، والمُواطِنَ الصالحَ بإيمانه بربِّه وبوازِعٍ من دينه يجتهِدُ في أداء عمله، ويحرِصُ على منع المُمارسات الخاطِئة، أو يكشِفُ عنها لمن يستطيعُ منعَها.
العاملُ الصالحُ عنده من الصدق في دينه، والأمانة في عمله، والولاء لمُجتمعه، والحِرص على المصلحة العامَّة ما يدفعُه إلى الإحسان وإلى الجدِّ وحُسن الإنتاجِ، وعدمِ الرِّضا بالفساد والانحِراف.
ذلكم - معاشر الأحبَّة - أن الفسادَ بكل أنواعه سلوكٌ مُنحرِفٌ في الأفراد وفي الفئات، يرتكِبُ صاحبُه مُخالفاتٍ من أجل أن يُحقِّقَ أطماعًا ماليَّةً غير شرعيَّة، أو مراتِبَ وظيفيَّة غيرَ مُستحقَّة، مما يُؤدِّي إلى الكسبِ الحرام، وإضعافِ كفاءة الأجهزة والمُؤسَّسات والمُنشآت.
الفسادُ منهجٌ مُنحرِفٌ مُتلوِّنٌ مُتفلِّتٌ مُتستِّرٌ، مُحاطٌ بالسريَّة والخوف، يدخلُ في كل مجالٍ: في الدين، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي الثقافة، وفي الإدارة.
الفسادُ تواطُؤٌ وابتِزازٌ، وتسهيلٌ لارتكِاب المُخالفات الممنوعة والمُمارسات الخاطِئة. الفسادُ استِغلالٌ مقيتٌ للإمكانات الشخصيَّة والرسميَّة والاجتماعية، يستهدِفُ تحقيقَ منافع غير شرعيَّة، ومكاسِب مُحرَّمة لنفسِه ولمن حولَه. سوءُ استِغلالٍ للسُّلطة والصلاحيَّة، في مُخالفةٍ للأحكام الشرعيَّة، والقِيَم الأخلاقيَّة، والأنظمَة المرعيَّة.
الفسادُ داءٌ مُمتدٌّ لا تحُدُّه حدودٌ، ولا تمنعُه فواصِلُ، يطَالُ المُجتمعات كلَّها مُتقدِّمها ومُتخلِّفها بدرجاتٍ مُتفاوِتة، وفي التنزيل العزيز: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الروم: 41].
معاشر المسلمين:
وكل انحرافٍ بالوظيفة العامَّة أو الخاصَّة عن مسارِها الذي وُضِعَت له ووُجِدت لخدمته فهو فسادٌ وجريمةٌ وخِيانةٌ. بالفساد تضطربُ الأولويات في برامج الدولة، وفي برامج الدول ومشاريعِها، وتُبدَّدُ موارِدُها، وتُستنزَفُ مصادِرُها.
بالفساد تتدنَّى مُستوى الخدمات العامَّة، وتتعثَّرُ مشارِيع، ويسُوءُ التنفيذ، وتضعُفُ الإنتاجيَّة، تُهدَرُ مصالحُ الناس، ويضعُفُ الاهتِمامُ بالعمل وقيمة الوقت، ويضطربُ تطبيقُ الأنظمة وعدالةُ المعايير.
الفساد يُؤدِّي إلى التغاضِي عن المخاطِر التي تلحَقُ الناسَ في مآكِلهم وفي مشاربِهم وفي مرافِقِهم الصحيَّة والتعليمية، وفي طُرقهم، وفي أنظِمة الأمان والحصول على الخدمات العامَّة.
الفسادُ يُزعزِعُ القِيَم الأخلاقيَّة القائمةَ على الصدق والأمانة والعدل وتكافُؤ الفرص وعدالة التوزيع، وينشُر السلبيَّة، وعدمَ الشعور بالمسؤولية، والنوايا السيئة، وينشُر الشعورَ بالظلم، مما يُؤدِّي إلى حالاتٍ من الاحتِقانِ والحِقدِ والتوتُّر والإحباط واليأسِ من الإصلاح.
الفسادُ يجعلُ المصالحَ الشخصيَّة تتحكَّمُ في القرارات، ويضعُفُ الولاءُ الصادقُ للحق وللأمة وللدولة، ويُعزِّزُ العصبيَّةَ المذمومة مذهبيَّةً أو قبَليَّةً أو حِزبيَّةً، فهو يُهدِّدُ الترابُط الأخلاقيَّ، وقِيَم المُجتمع الحميدة المُستقرَّة.
الفسادُ يُولِّدُ مُشكلاتٍ خطيرةً على استِقرار المُجتمعات وأمنِها وقِيَمها الأخلاقيَّة، وسيادة الأنظمة. الفسادُ يتواصَلُ مع أشكال الجريمة المُنظَّمة والجرائم الاقتصادية بما فيها ما يُعرَفُ بـ "غسيل الأموال".
الفسادُ يُعيقُ تطبيقَ الخُطط الصحيحة، والسياسات الإيجابيَّة، كما يُعرقِلُ جهودَ التغيير نحو الأفضل؛ بل إنه يُقوِّضُ الدولَ والمُؤسَّسات، ويُبعثِرُ الثَّروات، وينخَرُ في الإدارات، ويتناسَبُ طردًا مع الانحِرافات والمُنكَرات والأمراض المُجتمعيَّة والأخلاقيَّة.
معاشر الأحبَّة:
وللفساد مظاهرُ كثيرة، وصورٌ عديدة، ومسالكُ مُتنوِّعة؛ من الاختِلاس، والرِّشوة، وسوء استِخدام السُّلطة والصلاحيات، وإفشاء أسرار العمل، أو كِتمانِ معلوماتٍ حقُّها أن تكون معلومةً مُعلَنةً؛ سواءً في شأنٍ ماليٍّ أو وظيفيٍّ، والتزوير، والعبثُ بالوثائق والمُستندات والقرارات، وعدم احتِرام العمل وأوقات الدَّوام حُضورًا أو انصِرافًا، وضعف الإنجاز، والتشاغُل أثناء العمل بقراءاتٍ خارجيَّة، أو استِقبال من لا علاقةَ لهم بالعمل، والبحث عن منافِلَ وأعذارٍ، والتهرُّب من تنفيذِ الأنظِمة والتعليمات والتوجيهات، وعدمِ المُبالاة، والعُزوف عن المُشاركة الفاعِلة، والإسرافِ في استِخدامِ المالِ العام - ولو كان يسيرًا - في الأثاث والأدواتِ المكتبيَّة، والمُبالَغة في إقامةِ المُناسَبات، وسُوء توظيف الأموال، وإقامة مشارِيع وهميَّة، والعبَث بالمُناقَصات والمُواصَفات، في صُورٍ وأشكالٍ لا تقعُ تحت حصرٍ.
أيها المسلمون:
إذا كان الأمرُ كذلك؛ فلا بُدَّ من مُحاربة الفساد ومُكافحته، والتِزام الصلاح والإصلاح والنزاهة والشفافية، وذلك هو المِفتاحُ القائدُ - بإذن الله - لأسباب الخير والفلاح، والتوفيق والصلاح، والأمن والطمأنينة، وانتشار العدالة.
ومُحاربةُ الفساد ليست وظيفةً لجهةٍ مُعيَّنةٍ أو فِئةٍ خاصَّةٍ؛ بل هي مسؤوليَّةُ الجميع ديانةً وأمانةً وخُلُقًا ومسؤوليَّة.
النزاهةُ والعدالةُ في الإصلاح تحفَظُ هيبةَ الدول وكرامتَها وتُؤكِّدُ التلاحُم بينَها وبين مُواطِنيها، وتغرِسُ الثِّقةَ في الأجهزة والأنظمة. النزاهةُ تُعطِي قيادات الدول دفعًا أكبر في مُحاربة الفساد في جميع صُوره وأشكاله؛ إداريًّا وماليًّا وأخلاقيًّا.
مقاييسُ النزاهة هي: الديانة، والصدق، والعدالة، والوضوح والشفافية. في أجواء النَّزاهة تكونُ المُنافَسات النَّزيهة، والتنافُس الشريف على تقديم الأفضل والأجود والأنسَب.
أيها المسؤولون:
ومما يُعينُ على ذلك: تحديدُ مسؤوليَّات المُوظَّف، وإصدارُ الأدلَّة الإرشاديَّة، والتوعيَّة المُنظَّمة، وتبصيرُ الناس بحقوقِهم، وتشجيعُهم على المُساعَدة في كشفِ المُفسِدين.
ومما يُعينُ على ذلك كذلك: إصلاحُ أجهزة الرَّقابة، وتقويتُها، ودعمُها في كفاءاتها، وتبسيطُ أساليب العمل الإداريِّ، وتقويةُ الرَّقابة المُحاسبيَّة الإداريَّة والنظاميَّة والماليَّة، وسنُّ الأنظمة الصارِمة في مُواجَهة الفساد، وتطبيقُها بحزمٍ وعدالةٍ وحياديَّةٍ، والبُعدُ عن المُجاملات المُضعِفة، والعناية ببرامِج الإصلاح الإداريِّ ومنحُها الأولوية، وتوسيعُ دائرة تكافُؤ الفُرص والمُساواة على أساسِ معايير الجدارة والاستِحقاق، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ[القصص: 26].
وغرسُ قِيَم الجدِّ في العمل، وحِفظُ الوقت، والتواصِي بالحقِّ، والتِزامُ الأخلاق؛ من الصِّدقِ، والأمانة، والإخلاص، وحُسن الظنِّ، بعد الإيمان بالله وصدقِ التعلُّق به والاعتِماد عليه، والاهتِمام بالمصلحة العامَّة، والشعور الحق بالمسؤوليَّة، وزرعُ الثِّقَة من الجميع، مع بثِّ أجواء حرية الرأي والمناقَشة والمُكاشَفة.
وبعدُ - حفِظكم الله -؛ فالخللُ ليس في الأنظمة والقوانين والنُّصوص، ولكنَّه في الإدارات والمُجتمعات والنفوس.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[القصص: 77].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله المُتفرِّد بكمال الذات، وجميل الصفات، لا إله إلا هو وسِعَ سمعُه جميعَ الأصوات، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه على سوابِغ نعَمه المُتوالِيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُبلِّغُ من رِضوانه أعلى الدرجات من الجنَّات، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه الهادي إلى الحقِّ والمُنقِذ - بإذن ربِّه - من الضلالات، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أُولِي الفضائل والمكرُمات، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما دامَت الأرضُ والسماوات، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون:
في حماية النَّزاهة وأهلِها ومُحارَبة الفساد ومُكافَحة المُفسِدين ليس الهدفُ محصورًا في البحث عن المُذنِبين والفاسِدين؛ بل يُضمُّ إلى ذلك ويتوازَى: إيجادُ الوعيِ الفعَّال بحجم الأضرار الناجِمة عن الفساد، وهي أضرارٌ دينيَّةٌ وسياسيَّةٌ وماليَّةٌ وأمنيَّةٌ وثقافيَّةٌ واجتماعيَّةٌ، في برامِج إصلاحٍ شاملةٍ، وتعاوُنٍ من الأجهزة كلِّها العامَّة والخاصَّة، ومُشاركة المُجتمع بكل مُؤسَّساته، وإعطاء الفُرص للاستِماع إلى آراء العامِلين ومُلاحظاتهم ومُقترحاتهم وشكاواهم ومُناقشاتهم.
وفي هذا البابِ للإعلام دورُه الفعَّال في نشر الوعيِ الصحيحِ، والمعلومات والحقائق، في تثبُّتٍ وتحرٍّ وحِياديَّةٍ ووقارٍ، وعدم التسرُّع في توجيه الاتهام للأفراد أو الجِهات، مع الثَّناء على ما يستحقُّ الثَّناء، والإشادة بالصالحين والشُّرفاء، وأصحاب الأداء الحسن والإيجابيَّة في العمل، وهم كثيرٌ في بلاد المُسلمين - ولله الحمد -، والحِفاظُ على العلاقات الطيبة والإيجابيَّة بين زُملاء العمل، والتعاوُن فيما بينهم، وتجنُّب تصيُّد الأخطاء وتتبُّعها، وتغليب حُسن الظنِّ.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وأصلِحوا واعمَلوا صالحًا، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[الأعراف: 56].
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك سيِّدنا ونبيِّنا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، ووفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم عليك اللهم بالطغاة الظلمة في سوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في القتل والطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعَل ما أنزلتَه قوَّةً لنا على طاعتِك، وبلاغًا إلى حينٍ.
اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم واجعَل ما أنزلتَه عونًا لنا على طاعتِك، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[يونس: 85]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكُروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:41 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

غزوة أُحُد وبشائر النصر
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة 29 صفر 1434هـ بعنوان: "غزوة أُحُد وبشائر النصر"، والتي تحدَّث فيها عن غزوة أُحُد وبعض الوقفات والعِبَر والتأمُّلات، وبيَّن أنها ليست مجرَّد قصةٍ ذهبَت وانقضَى زمانُها؛ بل إن أحداثَها تتكرَّر في زماننا هذا وفي كل زمانٍ، وينبغي على المُسلمين التنبُّه لأحداثِها وتركِ المُخالفات لأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا يقَعوا فيما وقعَ فيه سلَفُهم.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[الحديد: 28].
أيها المسلمون:
يعيشُ العالمُ اليوم أحداثًا كُبرى، وتحوُّلاتٍ تاريخيَّة هائلة، وآلامًا تضيقُ بها النفوسُ، تموجُ الأرضُ بالفتن والتحوُّلات في النُّظم وفي المُعتقَدات، في تسارُعٍ يدَعُ الحليمَ حيرانًا. فتنٌ كقطع الليل المُظلِم، ولا عاصِمَ اليوم من أمر الله إلا من رحِم. ونحن أمةُ دينٍ وأتباعُ رسالة، وفي أيدينا كتابٌ وسنةٌ.
ومعجزةُ القرآن الخالِدة: أنه نزل قبل أربعة عشر قرنًا، وخاضَ بهذه الأمة معركةً كُبرى حوَّلت تاريخَها وتاريخَ البشريَّة كلَّه معها، ومع ذلك فهو يُعايِشُ الحياة الحاضِرة وكأنَّما هو يتنزَّلُ اليوم لتوجيه المُسلمين في أحداثِهم الراهِنة، وفي صِراعهم مع الأحداث حولَهم.
أيها المسلمون:
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ[آل عمران: 137، 138]. إن القرآن ليربِطُ حاضِر الأمة بماضِيها، فيرسُمُ بذلك مُستقبلَها.
عباد الله:
تلكم الآيات الماضِيات نزلَت في معركة أُحُد، والتي وقعَت في شهر شوال من السنة الثالثة من الهِجرة؛ وذلك أن المُشركين أرادوا الانتقام لهزيمتِهم في بدرٍ، فحشَدوا جيشَهم ثلاثة آلاف مُقاتلٍ على أطراف المدينة، واستشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، وكان يُريد التحصُّن في المدينة، لكنَّ كثيرين ألحُّوا على الخروج، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائةٍ من أصحابه بعد أن قام رأسُ المُنافِقين بتخذيل الناس والرجوع بثُلُث الجيش، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن بقِيَ معه عند جبل أُحُد، وجعل الرُّماةَ على مُرتفعٍ وأمرَهم ألا يبرَحوا مواقِعَهم.
ودارَت رحا المعركة، وانتصَر المُسلمون في بادِئ الأمر، حتى فرَّ المُشرِكون وسقَط لواؤُهم، واستعجلَ بعضُ الرُّماة فنزَلوا من الجبل يظنُّون الأمرَ انتهى، ثم التفَّ المُشرِكون وكرُّوا على المُسلمين من خلفِهم، فقتلُوا سبعين من خِيار الصحابة المؤمنين، وشجُّوا رأسَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسَروا رباعيَّته، وأشاعُوا أنهم قتَلوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأوقعَ ذلك في قلوب المؤمنين حُزنًا عميقًا، وألمًا شديدًا، وهزيمةً وانكِسارًا.
ثم أشاعَ المُشرِكون أنهم سيقصِدون المدينةَ، فنادَى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجرحَى والمُنهَكين المُصابِين، فاستجابُوا للنداء على ما بِهم من الجِراحات، ونفَروا لمُناجَذة العدو، وصدَقوا مع العدوِّ ولم يأبَهوا للمُخذِّلين.
وصدَرَت خلال ذلك مقالاتٌ وعبارات، ومواقِفُ وبُطولات، وانتِكاساتٌ وانكِسارات، ونزل في هذه الواقِعة قرآنٌ يُتلَى إلى يوم القيامة، ستون آيةً من سورة آل عمران ليست مجرد تأريخٍ لواقعةٍ مضَت وانتهَت، وإنما يعيشُ قارِئَها تلك الأحداث، ويرى المُسلمين ومن حولهم أعداؤُهم يتربَّصُون بهم، ويُبيِّتون لهم، ويُلقون بينهم بالفِرية والشُّبهة، ويتحاقَدون عليهم، ويجمَعون لهم، ويلقَونهم في الميدان، وينهزِمون أمامَهم، ثم يكِرُّون عليهم فيُوقِعون بهم. فما أشبهَ الليلة بالبارِحة.
أيها المؤمنون:
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ[آل عمران: 140، 141]. إن تعاقُب الشدَّة والرخَاء تكشِفُ معادِن النفوس وطبائِع القلوب، ودرجة الهلَع فيها والصبر، ومدَى الثِّقَة فيها بالله أو القُنوط.
وإن من مصلَحة الأمة أن تُصابَ برجَّاتٍ عنيفةٍ تعزِلُ الخبَثَ عنها، وقد اقتضَت حكمةُ الله أن يقعَ هذا التمحيصُ في أُحُد، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ[آل عمران: 179].
ومُداولةُ الأيام، وتعاقُبُ الشدَّة والرخاء محكٌّ لا يُخطِئُ، وميزانٌ لا يظلِم.
وفي معركة أُحُد انكشَفَت عورةُ المُنافِقين، وظهرَ أثرُهم كما هو في كل زمانٍ، يستغِلُّون أوقاتِ الضعفِ لبلبَلَة القلوب، وخلخلَة الصُّفوف، وإشاعة الخَوَر، مع إثارة الفتن والشُّبُهات لهَدم كِيان المُجتمع المُسلم، بدءًا بعقيدته وقِيَمه، حتى يستسلِم للأقوياء الغالِبين.
وكانت آثارُ المعركة تمحيصًا للنفوس، وتمييزًا للصفوف، وتحرُّرًا من تمييع القِيَم وتأرجُح المشاعِر؛ وذلك بتميُّز المُنافِقين ووضوحِ سِماتِهم.
ولئِن نجحَ ابنُ أُبيٍّ في التأثير على ثُلُث الناس حتى رجَعوا إلى المدينة وتخلَّوا عن نُصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلقد صمَدَت صفوةٌ نقيَّةٌ، حمَلَت أعباءَ الدين، وأنفقَت وقاتَلَت، وصبَرَت وصابَرَت، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[الأحزاب: 23].
بجِهادِهم وتضحياتِهم حفِظَ الله مصيرَ الإسلام في أول الزمان، وبمثلِ بُطولتهم وثباتِهم وصبرِهم يحفظُ الله وجودَ الإسلام في آخر الزمان.
أيها المسلمون:
لقد كان الله - سبحانه وتعالى - قادرًا على أن ينصُر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ودينَه وأولياءَه منذ اللحظةِ الأولى، وأن يُهلِك أعداءَهم بلا كدٍّ من المؤمنين ولا عناءٍ، ولكنَّ الله تعالى أراد تربيةَ المُسلمين ليُبتلَوا، وليقُودوا البشريَّةَ قيادةً راشِدةً على ما تحمِلُه البشريةُ من شهواتٍ ونزَواتٍ وانحرافٍ.
وهذه القيادةُ تقتضِي صلابةً في الدين، وثباتًا على الحق، وصبرًا على الشدائد، ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ[محمد: 4]. هذه سُنَّةُ الله؛ الابتلاءُ قبل التمكين.


عباد الله:
وقبل أن تمضِي الآياتُ في عرضِ المواقفِ في معركة أُحُد؛ يُذكِّرُ الله بالمعركة التي انتهَت بالنصر، وهي معركةُ بدرٍ الكُبرى، لتكون هذه أمام تلك مجالاً للمُوازَنة وتحمُّل أسباب النصر وأسباب الهَزيمة، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[آل عمران: 125].
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} إنه الصبرُ والتقوى بكل معانيها ومعالِمِها، وذلكم هو سرُّ النصر.
أيها المؤمنون:
وفي سُورة آل عمران وفي غمرة التوجيهات واللَّفَتات يُحذِّرُ الله من دسائِسِ أهل الكتاب، ولم يكن يُجاوِرُهم في المدينة إلا اليهودُ، ويُحذِّرُ الله من الرُّكون إلى الكافِرين أو طاعتِهم، ونصفُ السورة الأول يُصوِّرُ جانِبًا من جوانِبِ الصِّراع بين العقيدة الإسلامية والعقائِد المُنحرِفة، ويُحاجُّ أهلَ الكتاب ويُناظِرُهم، ويُحاوِرُهم ويردُّ شُبُهاتهم. وهو ليس جِدلاً نظريًّا فحسبُ؛ إنما هو جانِبٌ من المعركة الكبيرة الشامِلة بين المُسلمين وأعدائِهم الذين يتربَّصُون بهم، ويتحفَّزون من حولهم، ويستخدِمون في حربِهم كلَّ الأسلِحة وكلَّ الدسائِس والوسائل، وفي أولِها: زعزعةُ العقيدة، وهي ذاتُها المعركةُ التي ما تزالُ ناشِبةً إلى هذه اللحظة بين المُسلمين وأعدائِهم.
وفي ثنايا الآيات يُحذِّرُ اللهُ من الرِّبا ويأمُرُ بالتقوى والمُسارَعة إلى الجنة، وتطهير النفوس وتقوية القلوب، والسيطرة على الأهواء والشَّهوات، ويحُثُّ على الصدقة والعفو، وإشاعة الوُدِّ والتسامُح والإحسان، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[آل عمران: 134].
فالنفسُ لا تنتصِرُ في الحروبِ إلا حين تنتصِرُ في القِيَم والمبادِئ، والذين تولَّوا يوم التقَى الجمعَانِ في أُحُد إنما استزلَّهم الشيطانُ ببعضِ ما كسَبُوا من الذنوب، والذين انتصَروا في معارِك العقيدة وراء أنبيائِهم هم الذين بدؤُوا المعركةَ بالاستِغفار من الذنوب، والالتِجاء إلى الله، والتطهُّر من المعاصِي.
ولعلَّ ما ترتَّبَ على عِصيان الرُّماةِ لأمر الرسول القائِدِ في معركة أُحُد درسٌ عميقٌ يتعلَّمُ منه المُسلمون في كلِّ مواجهةٍ قيمةَ الطاعة، وأن الجماعةَ التي لا يحكُمُها أمرٌ واحدٌ ويغلِبُ على أفرادِها وطوائِفِها النزاعاتُ الفردية لن تنجحَ في معركةٍ، ولن تُفلِحَ في مُواجهةٍ، ما لم تتَّفِق على رغبةٍ واحِدةٍ ووِجهةٍ واحِدةٍ، وما لم تُخمِدْ كلَّ شُذوذٍ يحصُلُ في صُفُوفِها.
ولما دُهِشَ المُسلِمون للكارِثة التي قلَبَت عليهم الأمورُ قال الله لهم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران: 165].
عباد الله:
إن المُؤمنين مهما أصابَهم في سبيلِ الله فإنهم لا يفقِدون صِلتَهم بربِّهم، وثِقَتَهم بوعدِه الصادقِ لجُندِه بأنهم هم الغالِبون، وأن لن يخذُلَهم؛ بل سوف ينصُرُهم ويُؤيِّدُهم ويُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائِهم، ويُظهِرُهم عليهم.
ولقد تركَت معركةُ أُحُدٍ آثارًا غائِرةً في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أُصيبَ في بدنِه إذ كُسِرَت سِنُّه، وجُرِحَ وجهُه، وشُجَّ رأسُه، فلم تزَل دماؤُه الزكِيَّةُ تسيلُ على وجهه الطاهِر حتى أُحرِقَت قطعةٌ من حصيرٍ فأُلصِقَت به، وأجهدَه العطشُ حتى جعلَ يقعُ على رُكبتَيْه، وأُصيبَ في أتباعِه؛ إذ أودعَ في سفْحِ الجبل سبعين رجلاً من أعزِّ الناس عليه وأقربِهم إلى قلبِه، وهو يقول: «أما واللهِ لوِددتُ أني غُودِرتُ مع أصحابِي بحِضن الجبل».
وأُصيبَ في أهلِه؛ حين أُخبِرَ بمقتل عمِّه حمزة، فوقفَ عليه وقد بُقِر بطنُه وجُدِعَ أنفُه ومُثِّلَ به، فكرِهَ أن ينظُرَ إليه وقال: «ما وقفتُ قطُّ موقِفًا أغيَ إليَّ من هذا».
بَيْدَ أن التسليمَ لله لم يلبَثْ أن مسحَ الأحزانَ العارِضة، وعادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتفقَّدُ أصحابَه، ويُخفِّفُ ما نزلَ بهم، ويسكُبُ من إيمانِه على نفوسِهم ما يملؤها عزاءً ورِضًا عن الله، واستِكانةً لقضائِه.
عن رِفاعة الزُّرقيِّ - رضي الله عنه - قال: لما كان يومُ أُحُد وانكفَأ المُشرِكون، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه: «استَوُوا حتى أُثنِيَ على ربِّي»، فصارُوا خلفَه صُفُوفًا، فقال: «اللهم لك الحمدُ كلُّه، اللهم لا قابِضَ لما بَسَطتَّ، ولا باسِطَ لما قبضتَ، ولا هادِيَ لما أضلَلتَ، ولما مُضِلَّ لمن هدَيتَ، ولا مُعطِيَ لما منَعتَ، ولا مانِعَ لما أعطَيتَ، ولا مُقرِّبَ لما باعَدتَ، ولا مُباعِدَ لما قرَّبتَ، اللهم ابسُط علينا من بركاتك ورحمتِك، وفضلِك ورِزقِك، اللهم إني أسألُك النعيمَ المُقيمَ الذي لا يحولُ ولا يزولُ، اللهم إني أسألُك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمنَ يوم الخوف، اللهم إني عائِذٌ بك من شرِّ ما أعطيتَنا وشرِّ ما منَعتَ، اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قلوبِنا، وكرِّه إلينا الكُفرَ والفسوقَ والعِصيان، واجعَلنا من الراشِدين، اللهم توفَّنا مسلمين، وأحيِنا مُسلمين، وألحِقنا بالصالِحين، غير خزايا ولا مفتُونين. اللهم قاتِلِ الكفَرَة الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويصُدُّون عن سبيلِك، واجعَل عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتِلِ الكفَرَة الذين أُوتُوا الكِتاب، إلهَ الحقِّ»؛ أخرجه الإمام أحمد وغيرُه.
عباد الله:
لقد ترفَّقَ القرآنُ الكريمُ في خِطابِ المُؤمنين بعد ما أصابَهم في أُحُدٍ؛ لكي لا يتحوَّل انكِسارُهم في الميدان إلى قُنوطٍ يفُلُّ قُواهم، وحسرةٍ تشُلُّ إنتاجَهم، قال الله - عز وجل -: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[آل عمران: 139، 140].
فجمعَ - سبحانه - في خِطابِه لهم بين تشجيعِهم وتقويةِ نُفوسِهم، وإحياءِ عزائِمِهم وهِمَمهم، وبين حُسن التعزِيَة وذِكر الحِكَم الباهِرَة التي اقتَضَت إدالَةَ الكفار عليهم، وعزَّى اللهُ نبيَّه وأولياءَه عمَّن قُتِلَ منهم في سبيلِه أحسنَ تعزِيةٍ وألطَفَها، وأدعاها إلى الرِّضا بما قضاهُ لهم، وأخبرَهم بما نالُوه من ثوابِه وكرامَته؛ ليُنافِسُوهم فيه، ولا يحزَنوا عليهم، وأعلَمَهم أن سببَ المُصيبةِ من عند أنفُسِهم ليحذَروا، وأنها بقضائِه وقدَرِه ليُوحِّدُوا ويتَّكِلوا، ولا يخافُوا غيرَه، وسلاَّهم بما أعطاهم مما هو أجلُّ قدرًا وأعظمُ خطَرًا مما فاتَهم من النصر والغنيمةِ.
فلقد كانت حصيلةُ معركة أُحُدٍ ومن بعدها التوجيهات القُرآنية بعد الأحداث أكبرَ من حصيلةِ النصر والغَنيمة، ولقد علِمَ المُؤمنون أن الهزيمةَ حين تقَع؛ فإنها جارِيةٌ على سُنَّة الله وفقَ ما يقعُ من تقصيرٍ وتفريطٍ، وأنها تُحقِّقُ غاياتٍ يُقدِّرُها الله بحِكمته وعلمِه لتمحيصِ النفوس، وتمييز الصفوف، وتجلِيَة الحقائِق، وإقرار القِيَم، وإقامَة الموازين، وجلاء السُّنن للمُستبصِرين.
إن النصرَ لا يتوقَّفُ إلا على نُصرة ربِّ العالمين؛ فمن نصرَه اللهُ - عز وجل - فلا غالِبَ له من الناس، ولن يضُرَّه خُذلانُ الخاذِلين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[آل عمران: 160]. وفي كل هذا دروسٌ وعِبَرٌ للمُسلمين هذا اليوم في كل أرضٍ وتحت كلِّ سماءٍ.
بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقولُ قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.






الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملِكِ يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له الملكُ الحقُّ المُبين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الصادقُ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون:
لئن تكلَّف المُسلمون الأوائل عشراتٍ من الرِّجال وأشهرًا من الزمان، ليستعيدوا قوَّتَهم ويتفوَّقُوا في الوقائع اللاحِقة؛ فإن المُسلمين في هذا الزمان استنَزَفوا الملايين من أرواحِهم وعقودًا من أعمارهم، ولم يتغيَّر حالُهم، وكان الفارِقُ بينهم وبين سلَفِهم هو الفرقُ في تعلُّمهم الدروس واستِلهامِهم العِبَر.
لئِن كان المُسلِمون الأوائلُ بعد كل خسارةٍ يثُوبون لدينِهم، ويلجؤُون لربِّهم، ويُحِيطُون بنبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن المُسلمين اليوم يُذادُون عن دينهم، ويُقصَون عن شريعتِهم، ويُحالُ بينهم وبين وسائل النصر ومَدَده.
ولك أن تُجيلَ بصرَكَ في كثيرٍ من بلاد المُسلمين خلال القرن الماضي بعد استِعمارهم وذهاب شوكتِهم وحتى اليوم، لقد جرَّبُوا كلَّ طريقٍ، وطرَقُوا كلَّ بابٍ، وأخَذوا من العلوم العصريَّة، وحازُوا الأسلِحةَ والعتادَ، وسالَت تحت أيديهم كُنوزُ العالَم، ونبعُ وقوده. ومع ذلك أصبَحوا ولا يسيلُ من الدماء إلا دماؤُهم، ولا تُجتاحُ إلا أراضِيهم، ولا يُقهَرُ إلا رِجالُهم. بل حتى في بلادِهم تتحكَّمُ أقلِّيَّاتُ الطوائِف في مصائِرِهم.
يا أيها المسلمون:
لهيبُ الأحداث يسُوقُكم لدينِكم، وسِياطُ المقادِير تُلجِئُكم لخالِقِكم، وفجائِعُ الدهر تُنادِيكم: أن هلُمُّوا لما عزَّ به سلَفُكم، واستقوَى به أوائلُكم.
أيها المسلمون:
راجِعوا أنفُسَكم؛ ففي الفضاء إعلامٌ وقنواتٌ لا تنتمِي لماضٍ مُحافِظٍ، ولا تُبالِي بواقعٍ مُؤلمٍ، وفي الناس غفلةٌ، والجِراحاتُ في كل وادٍ تسيلُ.
كيف يكونُ السَّرَفُ والتَّرَفُ وفي المُسلمين أوجاعٌ، وبهم جِياعٌ؟! ألم ترَوا أن الأيام دُوَلٌ، والدهرُ قُلَّب؟!
ويا أهلَنا في الشام! لكُم الله، وما لكم غيرُ الله، لقد أسلمَكم العالَمُ ليقوَى بالله تعلُّقُكم، ودانَ الشَّرْقُ تحرُّرَكم ليقوَى دينُكم، ومنَعُوكم المَدَد لتُخلِصُوا في طلبِ المَدَد من الله، اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[الأعراف: 128].
لقد أسرفَ طاغيةُ الشام في الدمِ، وأظهرَ عداوتَه لبلده أكثرَ من أي عدوٍّ، وهو مقطوعُ السَّبَب بالله موصولُ السَّبَب بالمخذُولين من أهل الأرض، وما أظهرَه أخيرًا من استِعلاءٍ واستِقواءٍ وعدمِ مُبالاةٍ لما يحدُثُ في الشامِ لهِيَ صحوَةُ الموت، ولكأنَّ البِشاراتِ بنصر الله عمَّا قريبٍ في الشام ستعلُو، وشمسُ الخلاصِ تُشرِقُ، وتعودُ الطيورُ التي طالَت هِجرتُها، وسيفرحُ المُؤمنون بنصر الله. وإنما الشجاعةُ صبرُ ساعةٍ.
اللهم يا جبَّارُ يا مُنتقِم، اللهم عجِّل بمصارِع القوم الظالِمين، اللهم عجِّل بمصارِع القوم الظالِمين، والطُف بعبادِك المُستضعَفين من المظلومين، واشفِ صُدورَ قومٍ مُؤمنين.
إن على المُسلمين قبل كلِّ أحدٍ أن يُبادِروا لغوثِ إخوانِهم في سُوريا، وقد زادَ بلاؤُهم بالبردِ الشديدِ وقسوةِ الثُّلُوج، وجَرْفِ السُّيُول، كان الله في عونِهم.
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن صحابةِ رسولِك أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الطغاةَ والملاحِدةَ والمُفسِدين، اللهم انصُر دينكَ وكتابَك وسنةَ نبيك وعبادكَ المُؤمنين.
اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكر يا رب العالمين.
اللهم من أرادَ الإسلامَ والمسلمين بسوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل دائرةَ السَّوءِ عليه يا رب العالمين.
اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلك في فلسطين، وفي بلاد الشام، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم فُكَّ حِصارَهم، وأصلِح أحوالَهم، واكبِت عدوَّهم.
اللهم حرِّر المسجدَ الأقصى من ظُلم الظالمين، وعُدوان المُحتلِّين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَهم، واجمَعهم على الحقِّ والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم أسبِغ عليه لباسَ الصحةِ والعافِية، اللهم أسبِغ عليه عافِيَتك وألبِسه لباسَ الصحةِ وأتِمَّ عليه الشفاءَ، اللهم وفِّقه ونائبَه وإخوانَهم وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العباد والبلاد.
اللهم وفِّق وُلاةَ أمور المُسلمين لتحكيم شرعِك، واتباع سنة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً على عبادك المُؤمنين.
اللهم انشُر الأمنَ والرخاءَ في بلادنا وبلاد المُسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[آل عمران: 147].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم وأزواجنا وذُرِّياتنا، إنك سميعُ الدعاء.
اللهم إنا نسألُك رِضاك والجنةَ، ونعوذُ بك من سخَطك ومن النار.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبَقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والبَادِ.
اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:48 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

سلوا الله العافية
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة 6 ربيع الاول 1434هـ بعنوان: "سلوا الله العافية"، والتي تحدَّث فيها عن العافية وأهميتها في حياة المسلم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم – كان يُكثِرُ سؤالَ الله إياها؛ بل ونصحَ كثيرًا أن يُسألَ الله بها، وذكرَ بعضَ الآيات والأحاديث والآثار الدالَّة على عِظَم قدرِها وفضلِها.

الخطبة الأولى
الحمد لله ذي العزة والجلال، غافر الذنب وقابلِ التوب شديد المِحال، مانِح كلِّ غنيمةٍ وفضلٍ، كاشِفِ كل عظيمةٍ وضيقٍ، أحمده - سبحانه - على سوابغِ نعمِه وواسع كرمِه وعظيمِ آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، أرسلَه إلى الثَّقَلَيْن الإنسِ والجنِّ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا مُنيرًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -، فما أنتم في هذه الدنيا إلا مأمورون مُكلَّفون، تعترِيكم البلايا وتخترمُكم المنايا، وتترادَفُ عليكم النِّعَم، فلا تنالُون منها نعمةً إلا بفِراقِ أُخرى، ولا يحيا لكم أثر إلا ماتَ لكم أثر، ولا يتجدَّدُ لكم جديد إلا ويبلَى لكم جديد. وقد مضَت أصولٌ نحن فُروعُها، فما بقاءُ فرعٍ بعد أصل، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ[الرعد: 26].


أيها الناس:
إن البشرَ بعامَّةٍ محكومون بالجِدِّ والكَدْحِ، وقد خلقَهم الله في كبَد، «كلُّ الناس يغدُو؛ فبائعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها».
وهم بين كادحٍ مُلتذٍّ وآخر مُتألِّمٍ، قد يضعُفُون مع المتاعِب إلى حدِّ الهَوان، وقد ينتَشُون مع المنافعِ إلى حدِّ الطُّغيان، والكيِّسُ من هؤلاء جميعًا من لا يزيغُ ولا يطغَى، ويظلُّ رابطَ الجأشِ مُتماسِكًا في حالَيْه كلتَيْهما، ويدفعُ نفسَه دفعًا إلى الوقوفِ ببابِ خالقهِ ومولاه يسألُه العفوَ والعافيةَ في دينه ودنياه وأهلِه وماله؛ لأن إيثارَ العافية فِطرةٌ فطَرَها الله في الأنفُس؛ إذ لا يحبُّ البلاءَ والأوجاعَ إلا مُختلُّ المزاج مختومُ الفؤاد.
وإنه لا يُدرِكُ قيمةَ العافية إلا من فقَدَها في دينه أو دُنياه؛ فالعافيةُ إذا دامَت جُهِلَت، وإذا فُقِدَت عُرِفَت، وثوبُ العافية من أجمل لباس الدنيا والدين، وفيهما تلذُّ الحياةُ الدنيا ويحسُن المآلُ في الأخرى.
ومن هنا كان توجيهُ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لأمَّته رحمةً بهم وحِرصًا عليهم، حينما قال: «سلُوا اللهَ العفوَ والعافيةَ؛ فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية»؛ رواه أحمد.
ولم يكتفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولِه هذا لأمَّته، وإنما أردَفَ ذلك بفعلِه المُتكرِّر؛ لتشعُر أمَّتُه بقيمة هذه النعمةِ العظيمةِ، فكان - صلوات الله وسلامه عليه - يقول: «اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألُك العفوَ والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي .. الحديث»؛ رواه أبو داود وغيره.
قال ابن الجزري - رحمه الله -: "من أُعطِيَ العافية فازَ بما يرجُوه ويُحبُّه قلبًا وقالَبًا، ودينًا ودُنيا، ووُقِيَ ما يُخافُه في الدارَيْن".
العافيةُ - عباد الله - قيمةٌ مُطلقةٌ لا تقبلُ التجزِئةَ والنسبيةَ، ولذلك يُخطِئُ من يقصُرُها على عافيةِ البدن فحسبٍ دون عافيةِ الدين؛ فمن اقتصَرَ على طلب العافية في البدن دون الدين فقد أسرفَ في الصُّدود وانحازَ عن جادَّة الصواب، ومن طلبَ العافيةَ في الدين دون البدن فقد ظلمَ نفسَه، وربما أضعفَ دينَه بضعفِ عافية دينِه، والمؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المُؤمن الضعيف.
والسعيدُ - عباد الله - كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - هو من ذلَّ لله وسألَ العافية؛ فإنه لا تُوهَبُ العافيةُ على الإطلاق؛ إذ لا بُدَّ من بلاءٍ، ولا يزالُ العاقلُ يسألُ اللهَ العافيةَ ليتغلَّبَ على جمهور أحوالِه.
ومن عُوفِيَ فشكَرَ - عباد الله - أحبُّ إلى كل ذي لُبٍّ من أن يُبتلَى فيصبِر، كما قال أبو بكرٍ - رضي الله عنه -.
عباد الله:
يلحظُ كلُّ نبيهٍ رامقٍ بعين بصيرته اهتمامَ عموم الناس بعافية البدن؛ إذ يُعطُونَ في تحصيلِ هذه النعمة الوقتَ والجُهدَ والتذكيرَ والدعاءَ، في حين إنهم يغفُلُون عن قيمةِ العافيةِ في الدين وسلامته من الآفات والابتلاءات؛ لأن فتنَ الدين تُوهِنُ الأفرادَ الذين هم مجموعُ المُجتمعات.
ومتى ما فرَّطَ المرءُ في تحصيلِ العافيةِ في دينه فقد آذَنَ نفسَه بهلاكٍ وتيهٍ، ويشتدُّ الهلاكُ والخُسران حينما يُجاهِرُ المرءُ بما بُلِيَ به من معصيةِ ربِّه؛ فيستُرُه اللهُ ثم هو يفضحُ نفسَه. ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد صحَّ عنه أنه قال: «كلُّ أُمَّتي مُعافَى إلا المُجاهِرين».
نُقصانُ العافية في الدين تكونُ بالانحرافِ عن شِرعةِ الله؛ إما بطُغيانِ شهوةٍ بهيميَّةٍ تردُّ صاحبَها إلى حضيضٍ أوحَد يعبُّ فيه من الشهوات كما الهِيم، أو بطُغيانِ شُبهةٍ من الدين تنحرِفُ بصاحبِها إلى مصافِّ الذين يقعُدون بكلِّ صراطٍ يُوعِدون ويصدُّون عن سبيل الله من آمنَ يبغُونَها عِوَجًا.
وقد حذَّرَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من خوارمِ العافيةِ في الدين؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «ستكونُ فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائِم، والقائِمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّفَ لها تستشرِفه»؛ رواه البخاري ومسلم.
وقد كان مما علَّمَه النبي - صلى الله عليه وسلم - الحسنَ بنَ عليٍّ - رضي الله تعالى عنهما - أن يقول في دُعائِه وقُنوتِه: «اللهم اهدِني فيمن هدَيت، وعافِني فيمن عافَيت .. الحديث»؛ رواه أحمد وأصحاب السنن.
إن من أعظم فُقدان العافية في الدين: أن يكون المرءُ مُفسِدًا لا مُصلِحًا، مُستهزِئًا لا جادًّا، مِعولَ هدمٍ لمُجتمعه لا عاملَ بناءٍ لبُرجِه المشيد، لا تجِده إلا في مظانِّ الاستِهزاءِ، أو سنِّ ما يخدُشُ الدينَ والفِطرة التي فطَرَ الله الناسَ عليها؛ ليحمِلَ وِزرَه ووِزرَ من عملَ بسُنَّته إلى يوم القيامة.
وقد جاء في السُّنَّة ما يدلُّ على نسبةِ الأحداثِ إلى مُحدِثِها، وأنه يتحمَّلُ إثمَه إلى يوم القيامة جرَّاءَ ما أوقعَ فيه غيرَه من إخلالٍ بنهجِ الله وشِرعته، فمن ذلك: قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نفسٍ تُقتلُ ظُلمًا إلا كان على ابنِ آدم كِفلٌ منها؛ لأنه أولُ من سنَّ القتلَ»؛ رواه البخاري ومسلم.
ورحِمَ الله الإمامَ مالِكًا حينما أوصَى أحدَ تلاميذه، فقال: "لا تحمِلنَّ الناسَ على ظهرِك"؛ أي: لا تحمِل إثمَه بما يُحدِثُه "وما كنتَ لاعبًا به من شيءٍ فلا تلعبنَّ بدينِك".
نعم، عباد الله:
ليحذَر كلُّ من يضعُ لبِنةَ فتنةٍ أو إفسادٍ في دينٍ أو خُلُقٍ أنهم سيحمِلون أوزارَهم كاملةً يوم القيامة ومن أوزار الذين يُضِلُّونَهم بغير علمٍ.
وليحذَر كلُّ من غرَّه ما في الباطلِ من تزويقٍ وما في الفتنِ والافتِتان من رُقوشٍ؛ فالحقُّ أبلَج مهما أُسدِلَت دونَه السُّتُور، والباطلُ لَجلَج وما هو إلا كسرابٍ بقِيعةٍ يُغرِي ولا يُروِي، ولو نظرَ كلُّ ماشٍ تحت قدمَيْه لما وطِئَ شوكةً ولا عثَرَ بحُفرةٍ.
احذَر وُقِيتَ فتحت رجلِك حُفرةٌ
كم قد هوَى فيها من الإنسانِ
ومن عُوفِيَ فليحمَد اللهَ ما زلَّ من، طلبَ السلامةَ إنها للمرءِ حِصنٌ في الصُّرُوفِ العاتِية، لم يُعطَ إنسانٌ ولا ذو همَّةٍ بعد اليقين بمثلِ تلك العافية.
باركَ الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه.
أما بعد:
فاعلَموا - يا رعاكم الله - أن إيثارَ المرء السلامةَ والعافيةَ في دينه لا يُفهَمُ منه الرِّضا بالدَّعَة والقعود عما هو خيرٌ، وما هو واجبٌ لا يجوزُ القعودُ عنه، وإنما تُؤثَرُ السلامةُ والعافيةُ في مواطِنِ الفتنِ والرياء، وتساوِي الأمرَيْن معًا بحيث يشتبِهُ الحقُّ بغيره، فيدَعُ المرءُ ما يَريبُه إلا ما لا يَريبُه، ومن اتَّقَى الشُّبُهات فقد استبرَأَ لدينه وعِرضِه، ومن وقعَ في الشُّبُهات وقعَ في الحرام.
وقد كان الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يقول: "إني لأدَعُ ما لا بأسَ فيه خشيةَ الوقوعِ فيما فيه بأسٌ".
ولقد أحسنَ القاضي الجُرجاني - رحمه الله - حينما قال واصِفًا قيمةَ العافية فيما يشكُوه في زمانِه:
ولم أبتذِل في خدمةِ العلمِ مُهجَتي
لأخدِمَ من لاقيتُ لكن لأُخدَمَا
ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كُلَّما
بدَا طمَعٌ صيَّرتُه ليَ سُلَّمًا
إذا قيل: هذا منهَلٌ، قلتُ: قد أرى
ولكنَّ نفسَ الحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا
أُنهنِهُها عن بعضِ ما لا يشينُها
مخافةَ أقوالِ العِدَا فيمَ أو لِمَا
ولهذا كان من اعتقاد أهل السُّنة والجماعة في الفتنِ والخُطوبِ المُدلهِمَّة أن السلامةَ لا يعدِلُها شيءٌ، والقعودَ أسلمُ إلا إذا تبيَّن لهم الحقُّ بالأدلَّة الشرعيَّة الواضِحةِ الصريحةِ الصحيحةِ؛ فإنهم ينصُرونَه ويُؤيِّدُونَه دون تردُّدٍ.
وقد ذكرَ بعضُ أهل العلم في قصة أصحاب الكهف قولَ بعضِ المُفسِّرين: "وفي هذه القصة دليلٌ على أن من فرَّ بدينِه من الفتنِ سلَّمَه الله منها، وأن من حرِصَ على العافيةِ عافاه الله، ومن أوَى إلى الله آواه الله، وذلك حالَ استِحكام الفتنِ أيَّمَا استِحكامٍ".
وإن مما ينبغِي الحَذَرَ منه: الفهمَ الخاطِئَ لبعض القَعَدة الذين يفهمُون العافيةَ في غير موضِعِها، فيستدلُّون بقولِه - سبحانه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة: 105]، فيظنُّون أن معناها تركُ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وإصلاح الناس وبيان الصحيح في الفتن. وهذا ليس هو مُراد الله في كتابه، كما قال الصدِّيقُ - رضي الله تعالى عنه -.
بل إن المعنى: أنه لا يضرُّ المرءَ ضلالُ غيره، إذا هو اهتدَى وقامَ بما أمرَ الله به تِجاهَ الآخرين؛ من دِلالتهم للحقِّ وتحذيرِهم من الباطِل؛ لأن الهدايةَ بيدِ الله، وما على المرءِ إلا البلاغ، والله الهادي إلى سَواءِ السَّبيل.
هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافية، اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافية في دينِنا وأموالنا وأهلِينا يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصُر إخواننا المُستضعَفين في دينهم في كل مكان، اللهم انصُرهم في كل مكان، اللهم انصُرهم على من ظلمَهم وخذَلَهم، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وبال، اللهم عجِّل لهم بالنصرِ والفرَج يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك فلا تمنَع عنا ذنوبِنا فضلَك يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:51 AM   رقم المشاركة : 6

 

السيرة النبوية ووجوب تعلُّمها
ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس - حفظه الله - خطبة 13 صفر 1434هـ الجمعة بعنوان: "السيرة النبوية ووجوب تعلُّمها"، والتي تحدَّث فيها عن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأهميتها وضرورة تعلُّمها وتعلُّم السنَّة المُطهَّرة، والذبِّ عنها، ولا بُدَّ من استِشعار أخلاقِه - عليه الصلاة والسلام - ونشرِها في رُبوع الأرض.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده - سبحانه - حقَّ حمده، ونُسبِّح بعظمته ومجده، ونسألُه صلاحَ الحال وحُسنَ العواقِب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له منَّ علينا ببعثة المُصطفى الحاشِر العاقِب، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المُجتبى بأشرف الخِصال وأبقَى المناقِب، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه المخصُوصين في الاقتِداء بأسمى المراتِب، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ ما دامَ الجَديدان في دأبٍ وتعاقُب، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله حقَّ تُقاته، واعلَموا أن تقواه - سبحانه - أعظمُ مِصداق، وأقوى مِيثاق، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ[النور: 52].
أيها المسلمون:
كل قضيةٍ إلى انمِحاءٍ وطموس، وكل أمرٍ إلى نِسيانٍ ودُروس، وكل باطلٍ - لا محالةَ - إلى اندِحارٍ ونُكوص، ولكن دينَ الإسلام الرباني العالمي حياة الأرواح والنفوس إلى إباءٍ وشُموس، وسيرةَ خير الأنام - عليه الصلاة والسلام - في انتِصارٍ وائتِلاق، وانتِشار وانطِلاق، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء: 107].
والأمةُ الإسلامية المُبارَكة إنما تسنَّمَت قِمَم السُّؤدَد والإباء، وساقَت الإنسانيَّة إلى مرابِع الحضارة والعَلياء، وأفياء الأمن والاستِقرار والإخاء أوانَ استِعصامها بالوحيَيْن الشريفين، وإبَّان كان مُفعَمُ روحِها ومُستولَى مشاعِرها سيرةَ نبيِّها - صلى الله عليه وسلم - الغرَّاء وشمائلَه الفَيْحاء.
ويوم أن تنكَّبَت أمةُ الاتحاد والقوة والإنجاد عن ذلك الهديْ الربَّاني الرَّقراق فاءَت إلى يَباب التَّبعيَّة والوَهَن، وصارَت والتنافُر والتناثُر في قَرَن، والتأمَت مع الأسَى المُمِدّ على الشَّتات والانبِتات، والله المستعان.
معاشر المسلمين:
منذ ما يربُو على أربعة عشر قرنًا من بعثة سيد الأنبياء - عليه الصلاة والسلام - وسيرتُه المُؤنَّقةُ البَلْجاء تُعطِّرُ الأقطارَ والأرجاء.
والكونُ أشرقَ والفضاءُ تعطَّرا
والأفقُ ضلَّلَه السرورُ فهل ترَى
بما انهمرَت به من حقائق المهابة والجمال، والخشية والجلال، والحِكمة المُجلِّيَة في الأقوال والفِعال؛ لأنها المكنَزُ التأريخيُّ، والمنهَلُ الحضاريُّ، والمِنهاجُ العلميُّ، والمِعراجُ العمليِّ الذي يُبوِّئُ الأمةَ السُّؤدَدَ والمهابَة، والتوفيقَ والإصابَة.
أليست هي سيرةَ الحبيب المُصطفى والخاتَم المُقتفَى - صلى الله عليه وسلم -، ما ذرَّ شارِق وحنَّ إلى إلفِه المُفارِق، رسول الملكِ العلاَّم، وحاملِ ألوية الحق والخير والعدل والسلام، من هدى البشريَّةَ من الضلالة، وعلَّمَها من الجَهالة، وانتحَى بها قِمَم الرِّفعَة والجلالة.
نبيِّ المُعجِزات، وآخِذنا عن النار بالحُجُزات، أمنِّ الناس على كل مسلمٍ ومسلمة، وأحقِّهم نقلاً وعقلاً بالمحبَّة الوادِقة، والطاعَة الصادقة.


إذا ما المجدُ فاخرَ في عُلاهُ

بدَا محبوبُنا أبهَى انتِسابًا
إذا ما العزُّ أخجَلَنا صدَاهُ
بدَا في الناس أرفعَهم جنابًا
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِه ووالدِه والناس أجمعين»؛ أخرجه الشيخان.
أنت الحبيبُ بأمر الله قد خفَقَت
لك القلوبُ بلا خوفٍ ولا تعبِ
أنت الذي خصَّه بالحبِّ خالِقُه
لما اصطفَاهُ حبيبًا عالِيَ الرُّتَبِ
وتلكم هي المحبةُ المُفضِيَة إلى أصل الطاعة والتسليم الذي دلَّ عليه قولُ المولَى الكريم: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[النساء: 65].
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا رحمةٌ مُهداةٌ». الله أكبر! يا له من نبيٍّ ما أعظمَه، ومن رسولٍ ما أكرَمَه.
أقامَ مُجتمعَ الفضيلةِ والتُّقَى
وأشادَ مجدًا شامِخَ البُنيانِ
العدلُ جوهرهُ وأُسُّ بِنائِه
بمكارِمِ الأخلاق والإحسانِ
أيها المؤمنون:
ومع كلِّ هذا الجلاء في سيرة خير الورَى والبَهَاء لا ينفكُّ عفاكِلَةُ الشِّقاق ودَهماءُ الآفاق ينشُرُون أباطِيلَهم وحِقدَهم الأرعَن عبرَ الحمَلات والشَّبَكات، ويَطالُون في النَّيْل والبُهتان رُموزَ النبُوَّات، وعُظماءَ الرِّسالات، وشريفَ المُقدَّسات، وخاصَّةً حِيالَ الجنابِ المُحمديِّ الأطهَر وهديِه الأزهَر.
ولكن بَلسَمُنا وسلوانَا قولُ ربنا ومولانا: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[الحجر: 95]، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ[الكوثر: 3].
إنا لنعلَمُ أن قدرَ نبيِّنا
أسمَى وأن الشَّانِئين صِغارُ
سقطَت مكانةُ شاتِمٍ وجزاؤُه
إن لم يتُبْ مما جناهُ النارُ
وقد علِموا يقينًا قاطِعًا أن النبيَّ الكريمَ - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - قد جاء للبشريَّة بأسمَى القِيَم والآداب الخُلُقيَّة، وأدقِّ الحقائق الكونيَّة، وأرقَى النُّظُم الاجتِماعيَّة، وأزكَى الشرائعِ التعبُّديَّة، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ[النمل: 14].
أمة الإسلام:
وإذا كانت المَآسِي تلفَحُ وجهَ الأمة في كل شبرٍ ووادٍ من كل باغٍ وعادٍ، وخصوصًا في أرضِ الشام من قِبَلِ من فاقُوا جورَ عاد؛ فإنه لِزامًا على الأمة - وقد رثَّ حبلُ صِلَتِها بهذه السيرة الهادِية أو كاد، ولم تُلقِ لها فهمًا أو بالاً، فجرَّ ذلك تِرَةً ووبالاً - لزِمَ الأمةَ وبكل الوسائل التِّقانيَّة والفضائيَّة أن تنثنِيَ إلى السيرة النبويَّة في شُمولٍ وعُمقٍ، وأن تكون أشدَّ تعلُّقًا بنبيِّها وسُنَّته - عليه الصلاة والسلام -، تأسِّيًا وفهمًا واستِبصارًا، وسلوكًا وفِكرًا واعتِبارًا، لتنتشِلَ نفسَها من هُوَّة العجز والهُونِ الواضح، والتمزُّق والانحِدار الفاضِح التي مُنِيَت بها في هذه الآونة العَصيبة القَلِقَة.
ولْنُعلِنها مُدوِّيَّةً خفَّاقَة، وشجًى في اللَّهَوات المُغرِضَة الأفَّاكَة أن السيرةَ النبوية والسنَّة السنِيَّة - على صاحبها أزكى صلاةٍ وتحيَّة - هُما مَناطُ العزِّ والنصر، وأجلَى لُغاتِ العصر، التي تُؤصِّلُ للأمة الفوقيَّة والتمكِين. نعم، يا أمةٍ عزَّت بأعظم سيرة، وقادَت بأكرَم مسيرة.
لا بُدَّ من بعث هِدايات السيرة المُشرِقة، وإشراقات معانيها ومرامِيها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بُعِثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاق»؛ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد".
وقد أتمَّها - عليه الصلاة والسلام - بأبي هو وأمي - بالرحمة والرِّفق، والصدق والنزاهة والأمانة والحِوار، والتسامُح والاعتِدال والإصلاح.
خُتِمَت به الأخلاقُ فهو تمامُها
ولقد يفوقُ بدايةً إنهاءُ
جاء الأُلَى قبلاً بألفِ فضيلةٍ
فأتَى بهيمَنةٍ على ما جاؤُوا
بل لا بُدَّ للأمم من استِشعار الأخلاق المُحمديَّة في سِياساتِها وفِكرِها وثقافاتها وطُموحاتها وعلاقاتها وحِواراتها واقتصادِياتها وإعلامِها؛ لأنها الخِرِّيتُ الحادِي والمُرشِدُ الأمينُ الهادِي، يقول - جلَّ اسمُه -: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا[النور: 54].
أمة السيرة والسنة:
ونظيرُ التحقُّق بالسيرة الزكيَّة: التمسُّكُ بالسنَّة السنيَّة والذبُّ عن حِياضِها، والرُّتُوعُ مظهرًا ومخبَرًا في رِياضِها، والنَّهْلُ بالفهم السَّديد من سَلْسالِ غِياضِها، في نَأْيٍ عن مسالكِ التعصُّباتِ المذهبيَّة، والنَّعَرات الطائفيَّة.
معاشر الأحِبَّة:
ولن تُترجَمَ نوابِضُ الحبِّ والإحساس، ومقاصِدُ الأنفاسِ في اتباعِ خير الناس - عليه الصلاة والسلام - إلا بالوقوفِ عند هديِه وسُنَّتِه، والاقتِباسِ من مِشكاةِ سيرتِه؛ فأنَّى وعلامَ، وكيف وحتَّامَ يكونُ الهديُ النبويُّ المَكين مدى الأعمار والسِّنين قصرًا على مُحدثاتٍ ومُخالفاتٍ، في ليالٍ وأيامٍ معدودات، وانبِتاتٍ عن معينِ السُّنَّة البَلْجاءِ أيِّ انبِتات. ليتَ شِعري! إنه الحبُّ الهَباءُ الأخفُّ، وفي الموازينِ هو الأطَفُّ.
سلْهُم عن الحب الصحيحِ ووصفِه
فلسوفَ تسمعُ صادقَ الأخبار
إحياءُ سُنَّته حقيقةُ حُبِّه
في القلبِ في الكلماتِ في الأفكارِ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ[آل عمران: 31، 32].
بارك الله ولي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنه كان توابًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله، جعل التمسُّكَ بالسنَّة الغرَّاء إلى مراضِيهِ سبيلاً، وشاهدًا على توفيقه ودليلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المُبجَّلُ في العالمين تبجيلاً جِيلاً فجِيلاً، من امتثَلَ حُبَّه فيا بُشراه نهَلَ من السعادة سَلسبيلاً، صَلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الأطهار، وصحابتِه الأبرار المُفضَّلين تفضيلاً، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ صلاةً وسلامًا يتعاقَبَان بُكرةً وأصيلاً.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله وأطيعوه، واقتَدوا بنبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - ولا تَعصُوه.
أمة السيرة وأزكى المسيرة:
ومُقتضى محبَّة المُصطفى - صلى الله عليه وسلم -: محبَّةُ آل بيته وأزواجه الأطهار، وصحابته الميامين الأبرار؛ فحُبُّهم جوازٌ على الصراط، ومُورِثٌ للتقوى والاغتِباط، وقد نوَّهَ المُصطفى - صلى الله عليه وسلم - بحقِّهم وقدرِهم، كما صحَّ في الخبر عن سيد البشر - عليه الصلاة والسلام -: «لا يُحبُّهم إلا مُؤمن، ولا يُبغِضُهم إلا مُنافِق، ومن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضَهم أبغضَه الله».
فمن تطاوَلَ عليهم وافترَى، فقد ظلَمَ واجتَرَى، ومن نالَ منهم وخاضَ فيما شجَرَ بينهم فقد جاء بأعظم الفِرَى.
وربَّى سادةً نُجُمًا كِرامًا
أضاؤُوا الكونَ أخلاقًا رِطابًا
تسامُوا في الوُجودِ هُداةَ حقٍّ
فكانُوا أنجُمَ الدنيا صوابًا
إخوة الإيمان:
ويُؤكَّدُ في هذا السِّياق على تربية الأُسَر والشباب والفَتَيات في مسيرتهم العلميَّة والعمليَّة، لا سيما في صرِ العولمة والتِّقنيَّة، وفقَ إشراقات السيرة النبويَّة والسُّنَّة المُصطفَويَّة التي تُنمِّي مَكَاتهم الإبداعيَّة ومواهِبَهم الربَّانيَّة صوبَ الفلاح والنجاح.
يا أيها الجيلُ المُحبُّ في المشارِقِ والمغارِب! غُلُّوا المسير، وكونُوا قادةَ التَّشمير للتحلِّي بشمائل نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقِه، وتزيَّنُوا بمناقِبِه، وتمثَّلُوا هديَه وأوصافَه، عضُّوا عليها بالنواجِذ تغنَموا وتسُودوا، وتنعَموا وتقودوا، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ[الروم: 4، 5].
وتحرير المُقدَّسات الإسلاميَّة، وإنهاء أزمَات الأمة المأساويَّة في فلسطين وبُورما والأراضي السوريَّة، ورفع الحَصانَة الدائِمة عن الظَّلَمة والطُّغاة والمُعتَدين، والمُغتصِبين المُحتلِّين، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[الحج: 40].


هذا، واعلَموا - رحمكم الله - أن الله قد أمرَكم بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه، ثم بملائكته المُسبِّحة بقُدسِه، فقال تعالى قولاً كريمًا تشريفًا لمقام نبيِّنا وتكريمًا، وإرشادًا للأنام وتعليمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
يا فوزَ من صلَّى عليه فإنه
يحوِي الأمانِيَ بالنعيمِ السَّرمَدِ
صلَّى عليه اللهُ جلَّ جلالُه
ما لاحَ في الآفاق نجمٌ فرقَدِ
اللهم ارضَ عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين الذين قضَوا بالحق وبه كانُوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ والتابعين، وعن الطاهِرات أمهات المُؤمنين، وعن آل بيته الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمِك يا أكرمَ الأكرَمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا، سخاءً رخاءً، وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصِيته للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه إلى ما فيه عزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين، اللهم أسبِغ عليه لِباسَ الصحة والعافية، والسلامة الدائِمة يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة المسلمين لتحكيم شرعِك، واتباع سُنَّة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم -، اللهم اجعلهم رحمةً على عبادك المُؤمنين.
اللهم كُن لإخواننا المُستضعَفين المُضطَهدين في دينهم في كل مكانٍ، اللهم كُن لهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلِح حالَهم، اللهم أصلِح حالَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم عافِ مرضاهم، اللهم عافِ مرضاهم، وداوِ جرحاهم، وارفع عن مُبتلاهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم عليك بأعدائِك أعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عِبرةً للمُعتبِرين.
اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من المُعتدين المُحتلِّين، اللهم اجعله شامِخًا عزيزًا إلى يوم الدين، اللهم كُن لإخوانِنا في سُوريا وفي بُورما وفي فلسطين، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِث قلوبَنا بالإيمان واليقين، وبلادَنا بالخيراتِ والأمطارِ والغيثِ العَميم.
اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِلِ السماءَ علينا مِدرارًا، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنا بذُنوبِنا فضلَك.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المُسلمين، وارحَم موتانا وموتَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[الحشر: 10].
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليمُ، وتُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم، واغفِر لنا ولوالِدِينا ووالدِيهم وجميع المُسلمين والمسلِمات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدَّعَوات.
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:53 AM   رقم المشاركة : 7

 

حرمة التجسُّس على المسلمين

ألقى فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة20 ربيع الاول 1434هـ بعنوان: "حرمة التجسُّس على المسلمين"، والتي تحدَّث فيها عن التجسُّس وخُطورته، وحشَدَ الأدلةَ من الكتاب والسنة على تحريمه وبيان مذمَّته، وعِظَم ضرره.
الخطبة الأولى
الحمد لله الكريم المنَّان، أحمده - سبحانه - حمدًا نرجُو به الرِّضوانَ والغُفران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كريمُ العطايا قديمُ الإحسان، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله المبعوثُ رحمةً للخلق من إنسٍ وجان، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبِه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسان.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واذكُروا أنكم موقوفُون بين يديه، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا[النبأ: 40].
أيها المسلمون:
إن من فضائل هذا الدينِ ومحامِدِه التي شهِدَ بها القاصِي والدانِي: تلك التشريعاتُ الفَذَّةُ التي أرسَى بها قواعِدَ المُجتمع الراشِد، وحفِظَ بها بناءَه، وحاطَه بأسوارٍ مَنيعةٍ عصِيَّةٍ على معاوِلِ الهَدم، وجعلَها قائِمةً على عقيدةٍ تغرِسُ في النفوس أن أساسَ الرابِطَة بين المؤمنين هي الأُخُوَّة في الدين؛ حيث قال ربُّنا - سبحانه -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[الحجرات: 10].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المُسلمُ أخُو المُسلِم .. الحديث»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
وهي رابِطةٌ تُورِثُ الإخوةَ في الإسلام شُعورًا يبعثُ على ألا يرَى أحدٌ منهم نفسَه أحقَّ بالخير من أخيه؛ فهو يُحبُّ الخيرَ له كما يُحبُّه لنفسِه، مُستيقِنًا بأن إيمانَه لا يكمُلُ إلا بذلك، كما أخبر الصادقُ المصدوق - صلوات الله وسلامه عليه -: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسِه»؛ أخرجه البخاري ومسلم - رحمهما الله - من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.
وإذا كان مُقرَّرًا في العقول، مركوزًا في الفِطَر: محبَّةُ المرء حفظَ ما يعنِيه ويختصُّ به من أمورِه وشُؤونِه وأسرارِه، بعيدًا عن تطفُّل المُتطفِّلين، واقتِحامِ المُقتحِمين، وكراهتُه كشفَ أستارٍ يضُرُّ به كشفُها أبلغَ ضررٍ، ويُوقِعُه في أشدِّ الحرَج، ويُعطِّلُ عليه مصالِحَه.
فقد جاءَت الشريعةُ المُكرَّمة بصَون هذا الحقِّ، وسدَّت كلَّ ذريعةٍ لاختراقِه بأيِّ وسيلةٍ، تجلَّى ذلك في نهيِ الله - عز وجل - المُؤمنين عن خُلُق التجسُّس، وحقيقتُه: ألا يترُك المُتخلِّقُ به عبادَ الله تحت سِتر الله؛ بل يسعَى إلى معرفة ما خفِيَ عليه من خاصِّ أحوالِهم - كما قال أهلُ العلم - حتى ينكشِفَ له ما لو كان مستورًا عنه كان أسلمَ لقلبِه ودينِه.
وجاء النهيُ عنه تاليًا للنهي عن سُوء الظنِّ بالمُسلِم؛ لأنه من ثمراتِه، فإن قلبَه - أي: قلب هذا المُتجسِّس - لا يكتفِي بالظنِّ؛ بل يحمِلُه ذلك إلى التحقُّق مما ظنَّ، فيشتغِلُ بالتجسُّس، فيحمِلُ وِزرَهما معًا.
ولذلك جاء النهيُ عنهما بقولِه - عزَّ اسمُه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ[الحجرات: 12].
قال ابنُ جريرٍ - رحمه الله -: "أي: لا يتَّبِع بعضُكم عورةَ بعضٍ، ولا يبحَث عن سرائِرِه يبتغِي بذلك الظهورَ على عُيوبِه، ولكن اقنَعوا بما ظهرَ لكم من أمره".
وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري - رحمه الله - في "صحيحه" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابَرُوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا».
ومما يدخلُ في التجسُّس أيضًا - يا عباد الله -: أن يستمِعَ إلى حديثِ قومٍ بغير إذنٍ ولا رِضًا منهم بذلك؛ فقد توعَّدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعِلَه بقولِه: «من تحلَّم بحلمٍ لم يرَه كُلِّفَ أن يعقِدَ بين شعيرتَيْن، ولن يفعَل، ومن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهون أو يفِرُّون منه صُبَّ في أُذنِه الآنُك - أي: الرَّصاص المُذاب - يوم القيامة .. الحديث»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -، واللفظُ للبخاري.
وشرعَ اللهُ الاستِئذانَ عند دُخولِ البيوتِ حمايةً لهذا الحقِّ أيضًا، وصِيانةً وسترًا لعوراتِها، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النور: 27].
وبيَّن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حكمةَ هذا الاستِئذان والغايةَ من تشريعِه، فقال للذي اطَّلَع من جُحرٍ في حُجَر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعه - صلوات الله عليه وسلامه - مِدرَى يحُكُّ بها رأسَه، فقال: «لو أعلمُ أنك تنظُر لطعنتُ به في عينِك، إنما جُعِل الاستِئذانُ من أجل البصر»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه -.


عباد الله:
إنه إذا كان إيمانُ المرء لا يكمُلُ حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسِه، وحتى يكرَهَ له ما يكرَهُ لنفسِه؛ فإن أدنَى درجات ذلك: أن يُعامِلَ أخاه بما يُحبُّ أن يُعامِلَه به، ولا ريبَ أنه ينتظِرُ من أخيه أن يستُرَ عورتَه، ولا يكشِفَ عيبَه، وأن يتجاوزَ عن زلَّتِه.
فإذا كان على الضدِّ من ذلك - أي: لم يفعَل ذلك - لم يكُن مُنصِفًا لأخيه ولا مُحِبًّا للخير له، فيُوجِبُ ذلك ويُحدِثُ لرابِطة الأُخُوَّة فسادًا بيِّنًا لما صلَحَ من شُؤون الناس، وما استقامَ من ظاهر أحوالِهم، وتجرِئةً لهم على الإيغال في القبائِح بترك الحياء، ولذا حذَّر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولِه لمُعاوية - رضي الله عنه -: «إنك إن اتَّبَعتَ عورات الناس أفسدتَّهم، أو كِدتَ أن تُفسِدَهم»؛ أخرجه أبو داود في "سُننه" بإسنادٍ صحيحٍ.
كما أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن عقوبةَ من يتتبَّعُ العورات هي من جنسِ عملِه، بأن يُفتضَحَ في عُقر دارِه، فيخرُج إلى الناس ما هو خفِيٌّ عليهم ومستورٌ عنهم؛ ليذوقَ وبالَ أمره، ويُسقَى من نفسِ كأسِه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يخلُص الإيمانُ إلى قلبِه! لا تتَّبِعوا عورات المُسلمين؛ فإنه من تتبَّعَ عورةَ امرئٍ تتبَّعَ الله عورتَه، حتى يفضحَه ولو في جوفِ رحْلِه»؛ أخرجه الترمذي في "جامعه" بإسنادٍ حسنٍ من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
فاتقوا الله - عباد الله -، وحَذارِ من تتبُّع العورات حَذارِ؛ فإنه مثَلٌ صارِخٌ لانتِهاك الحُرُمات، وتنكُّرٌ لحقوق الأُخُوَّة في الله، وسبيلُ مذمَّةٍ وضعَةٍ وصَغارٍ يترفَّعُ عنه الأبرارُ المُتَّقون الأخيار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ، إنه كان غفَّارًا.


الخطبة الثانية
الحمد لله الكريم الرحيم، أحمده - سبحانه - على فضلِه السابِغِ وخيرِه العَميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يدعُو إلى دار السلام ويهدِي من يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه صاحبُ النَّهج الراشِدِ والخُلُق القَويم، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن ما جاء من وعيدِ من تتبَّع العورات لهُوَ وعيدٌ لا يصِحُّ أن يُسقِطَه من حسابِه كلُّ من اتَّخَذَ من هذا الخُلُق الذَّميم والخَصلَة المرذولة عادةً ودَيدَنًا له، وغايةً يسلُكُ إليها كلَّ سبيل، ويستعمِلُ فيها كلَّ وسيلةٍ، ويركَبُ لها كلَّ مركَب، ويجِدُ ضالَّتَه فيما وصَّلَه الإعلامُ الجديدُ من وسائلَ، وما أتاحَه للناس من مواقع للتواصُل.
هذه المواقِعُ التي كادَ كثيرٌ منها أن يغدُوَ سببًا للتدابُرِ والتقاطُعِ بما يشيعُ فيها من إذاعةِ أسرارٍ، واقتِحامٍ للخُصوصيَّاتِ؛ بتتبُّع العورات، ونشرِ العيوبِ والزلاَّت، وبثِّ الأخبار المكذوبة، والشائعات المُغرِضة، والتعليقات والتعليلات والتغريدات التي لا ِمامَ لها ولا خِطام، ولا مرجعيَّةَ لها غيرُ الأهواءِ والظُّنون والأوهام، لاسيَّما حين تصدُرُ عمَّن تُجهَلُ عينُه، ولا تُعرَفُ حالُه من الصِّدقِ والكذبِ وغير ذلك.
فإذا اجتمعَ إلى هذا: مقاطِعُ ومشاهِدُ وصُور تُؤذِي المُؤمنين، وتسُرُّ العابِثِين؛ كان الضررُ شديدًا، والبلاءُ عظيمًا، يُوجِبُ تنادِيَ العُقلاء إلى وضعِ الحُلول لدفعِ هذا الضَّرر، ورفعِ هذا البلاء بحُسنِ نظرٍ وحُسن تأمُّلٍ لنظَر ذلك، وشدَّة خطره في العاجِلِ والآجِلِ.
فاتقوا الله - عباد الله -، وتعاونوا على البرِّ والتقوى - كما أمرَكم ربُّكم -، ولا تعاونوا على الإثم والعُدوان.
ولتكُن هذه المواقِعُ سببًا للتواصُل، وسبيلاً للتواصِي بالحقِّ والتواصِي بالصبر، لا طريقًا للتدابُر والتقاطُع، وانتِهاك الحُرُمات، وتتبُّع العورات؛ فإنه يُغضِبُ ربَّ الأرض والسماوات.
وصلُّوا وسلِّموا على خاتمِ رُسُل الله؛ فقد أُمرتُم بذلك في كتابِ الله؛ حيث قال ربُّنا - سبحانه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ، وسنةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمُسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا مَن إليه المرجِعُ يوم التَّناد.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتِك، وتحوُّل عافيتِك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطِك، اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكَرات، وحُبَّ المساكين، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَّ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين.
اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلُك في نحورِهم، ونعوذُ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نحورِهم، ونعوذُ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نحورِ أعدائِك وأعدائِنا، ونعوذُ بك من شرورهم.
اللهم احفَظ المُسلمين في كل دِيارِهم وأوطانِهم، اللهم احفَظهم في سوريا، وفي فلسطين، وفي بورما، وفي جميع ديارِ المُسلمين يا رب العالمين، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم انصُرهم، الله اجبُر كسرَهم، وارحَم ضعفَهم، واشفِ جرحاهم، واكتُب أجرَ الشهادة لقتلاهم يا رب العالمين.
اللهم احفَظ المُسلمين في مصر، اللهم احفَظهم في مصر، وحافَظ شعبَها، واحفَظهم من الفتن، اللهم قِنا وإياهم شرَّ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَن، اللهم قِنا وإياهم شرَّ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَن، اللهم وحِّد صُفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، وأصلِح قادةَ المسلمين يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23]، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ[آل عمران: 8]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
وصلَّى اللهم وسلَّم على عبدِه ورسولِه نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:26 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir