يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > الساحات العامة > الساحة العامة

الساحة العامة مخصصة للنقاش الهادف والبناء والمواضيع العامه والمنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
المشاركة السابقة   المشاركة التالية
قديم 10-29-2012, 04:59 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
عبدالله أبوعالي is on a distinguished road

بريدة عولمة تفتك بالذكريات


 

مقال رائع للدكتور : عبدالسلام الوايل



٢٠١٢/١٠/٢٧
جريدة الشرق

بريدة: عولمة تفتك بالذكريات


ذهبت الأسبوع قبل الماضي إلى مدينة بريدة لتقديم ورقة بدعوة كريمة من جماعة فكر في نادي القصيم الأدبي. كانت الورقة عبارة عن تأمل في الكيفيات التي تعامل بها الخطاب الديني في المجتمعات المسلمة مع «مسألة» العلم الحديث. وبرصد هذه الكيفيات توصلت لتيارين. الأول، تيار الصراع مع العلم الحديث ورفض خطابه وتصوراته بشكل كلي. وقد اخترت نموذجاً لهذا التيار مؤلفات ابن بريدة الشيخ عبدالكريم الحميد. التيار الثاني كان تيار الحوار والتكامل مع العلم الحديث، ويمثله خطاب الإعجاز العلمي. نقاشات الحضور شكلت مفاجأة غير متوقعة لي. فبدلاً من تركيز النقاش على تيار الصراع، الذي مثله أحد أبناء المدينة، استولى خطاب الإعجاز العلمي على جل المداخلات. ستشكل هذه المفارقة موضوع هذا المقال.
تميزت بريدة المدينة/ الشخصية بسمات فريدة في تاريخ الوطن السعودي منذ استوائه دولة وطنية حديثة قبل ثمانين عاماً. أحد هذه السمات وأكبرها هو المشاركة النشطة والمؤثرة في إمداد الشخصية السعودية بالترياق اللازم لثبوت المحافظة أمام هجمات التحديث، محافظة تتسق مع روح السكان المستقرين لغالبية أجزاء البلاد المنضوية تواً تحت مشروع توحيدي. لعبت المدينة دوراً نشطاً في نسج قطيفة مجتمعية واحدة من الأجزاء الاجتماعية المتناثرة والمتباعدة للدولة الناشئة (بدو وحضر، نجديين وحجازيين وعسيريين…الخ). يحصي سليمان العمري أكثر من ألف من تلاميذ مشايخ بريدة آل سليم ممن عملوا قضاة ومرشدين دينيين في جميع أجزاء البلاد السعودية منذ ثلاثينيات القرن الرابع عشر الهجري. عمل هؤلاء على بث تصور ديني وفكري واحد ساعد على تثبيت الروح المحافظة في المجتمع السعودي وتمكينها من الصمود والاستمرار. يصاحب هذه الأدوار التعليمية والإرشادية مواقف فكرية مناوئة للتحديث اشتهرت بها المدينة. بسبب هذه الخبرات وغيرها، مثلت المدينة و إقليمها، أي القصيم، صورة نمطية في وعي السعوديين للمحافظة. وبسبب هذه الصورة نزعت المعرفة العامة في المجتمع لـ»قصمنة» كل ما هو محافظ وحتى مشيخي في بلادنا. مثلاً، تعثر على تعليقات كثيرة تعتقد أن المفتي السعودي، سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله أو خليفته سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قصيميان رغم أنهما ليسا كذلك. بل كثيراً ما أسمع، بحكم أني قصيمي، تعليقات مازحة من أصدقاء من مختلف قسمات المجتمع السعودي تعزو إلى القصيم كل مسحة محافظة في المجتمع، من قبيل الفصل الصارم بين الجنسين في الفضاءات العامة وخلافه. ورغم احتواء هذه التصورات على كل عيوب الصور النمطية (فكثير من نقيض المحافظة من فكر وسلوك كان لا يخلو من نكهة قصيمية أيضاً)، إلا أنه لا يمكن فصل تاريخ بريدة وهويتها عن المحافظة والمشاغبة مع صور الحداثة وأنماطها.
رعت هذه الروح المحافظة وحافظت على دوامها شخصيات بعينها وجماعات تابعة لهذه الشخصيات. للزاهد فهد العبيد الجولة والطولة في صياغة فرادة المدينة. مثلت مناكفاته مع الحداثة وتعبيراتها التي تغزو المدينة بشراسة ودأب، من راديو ومساكن ومخابز ومطاعم وكاميرات وسمت حداثي في اللبس (ساعة يد وذقن محلوقة وملابس حديثة)، الرافد الأعظم لصورة بريدة كمدينة تتصدى للتحديث بعناد ورفض وأيضاً بطرافة وتفكه. تلميذ فهد العبيد، عبدالكريم الحميد، نقل المواجهة لمستويات أعلى: بيت ومسجد مبنيان بالطين بعد انقضاء عهد البناء بالطين وبغل وأكثر من ذلك وفوقه نشاط محموم في التأليف طال العلم الحديث بالرفض الصريح والخطاب الإسلامي المعاصر بالنقد المرير والتعيير له بتحريف كبير جراء الانهزام النفسي أمام تقدم الغرب. عبر أجيال، كانت صورة مليحة وطريفة للمدينة تُبنى من خلال أقوال فهد العبيد وسلوكيات ومؤلفات عبدالكريم الحميد. صورة أشبه بالتعويذة بوظيفتها الأنثروبولوجية ومسحتها النوستالجية يتناقلها أبناء المدينة جيلاً بعد آخر. تعويذة بقدر مفارقتها للواقع وابتعادها عنه بقدر اكتنزاها على أسى شفيف على غرق الذات التقليدية الصرفة في لجة الغرب الغريب المكتسح الغازي. في كل الأحوال، كانت المدينة حية نابضة عبر الحكايات والطرف والصور والأخيلة، كان ثمة شخصية مميزة في كل هذا.
في ورقتي تلك، تناولت رفض الحميد للعلم الحديث لا بوصفه شيئاً طريفاً ولا بوصفه أمراً محل انتقاد أو احتفاء، بل بوصفه ظاهرة جدية من ناحية ومتماسكة ومتسقة من ناحية أخرى. أكثر من ذلك، تطرح الورقة تساؤلاً إن كان رفض الحميد للعلم الحديث يعبرعن شعور ما في عمق أعماق إنسان المجتمعات المسلمة، شعور التمني بأن كل الحكاية التي بدأت منذ قرنين، حكاية تقدم الغرب، ليست إلا كابوس ليل. بتعبير آخر، هل الحميد في رفضه القاطع للعلم الحديث ومنجزاته يعبر عن شيء ما داخلنا نحن أفراد المجتمعات المسلمة؟ هذه النظرة، لا ساخرة ولا تبجيلية. إنها تبحث عن إبرة الجدية وسط كومة الطرافة. تصورت أن هذا الطرح هو ما سيستولي على النقاش، فأنا أحاول نفض الغبار عن حكاية المحافظة مقدماً إياها بوصفها سردية معبرة عن الروح الجمعية. لكن العكس حصل. سيطر تيار الإعجاز العلمي على الحوار الطويل الذي تلى المحاضرة.
عولمة إسلامية ابتلعت ذات المدينة وروحها و فرادتها. حضرت رموز صحوية عولمية، كالزنداني والنجار، وذاب الحميد. بدا وكأن كل المدينة انمحت من ذاكرة أهلها. بعد المحاضرة، سألت صديقاً لي عمن يجني الرطب من نخيل الخبوب وقت الخراف فأجاب «غالبيتهم أفغان». في الدور العاشر من فندق الموفنبك، كانت النافذة تعطي منظراً بانورامياً لمدينة مترامية غادر ساكنوها بيوتهم القديمة وذكرياتهم وذواتهم وانتشروا فوق سديم رملي كأنهم بقع متناثرة منفصلة لا يجمعها إلا تقنية التواصل والاتصالات. يحضر الزنداني ويغيب الحميد، يموت الفلاح القصيمي ويخلفه الأفغاني وتذوب ذات فريدة في بحر العولمة اللجي. برغم لا تقليديتي، أعترف. ثمة غصة.

 

 

   

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:39 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir