يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-18-2012, 08:38 AM   رقم المشاركة : 1

 

[font="arial"

]وصايا إلى الحجاج

ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة 24 ذي الحجة 1433 هـ بعنوان: "وصايا إلى الحجاج"، والتي وجَّه فيها الوصايا والنصائحَ لعموم المسلمين، وخصَّ بذلك حُجَّاجَ بيت الله تعالى بضرورة المُحافظة على الطاعات، وتجنُّب المعاصي والخطيئات، واغتِنام كلِّ فرصةٍ سانحةٍ لطاعة الله والإقبال عليه، وحذَّر من الفُرقة والاختِلاف، كما بيَّن أنه حان الوقتُ لأمة الإسلام أن تقُود الأُمم كما كانت من قبلُ؛ باعتِزازها بدينها، ونشرها له في رُبوع الدنيا، والالتزام بالمنهج الصحيح المُستقيم.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي جعلَ السعادةَ والطُّمأنينة ثمرةَ الطاعة، فلا خوفَ ولا حُزن ولا وجَل، أحمده - سبحانه - وأشكرُه على نعمِه، وأستغفِِرُه من كلِّ تقصيرٍ وزَلَل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرَ بلُزوم الطاعة ودوامِ العمل، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه كان خيرَ الصابرين عند كلِّ أمرٍ جلَل، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاةً دائمةً لا يقطعُها كلَلٌ أو ملَلٌ.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى، وراقِبوه في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
حُجَّاج بيت الله الحرام:
لقد تشرَّفَت هذه البلادُ بخِدمتكم؛ فكم سهِرَت من أعيُن، وكم بُذِلَت من جهود، وكم أُنفِقَ من أموال، نسألُ الله أن يُبارِك في جُهد المُخلِصين، ويكتُب لهم الأجرَ الجزسيلَ والثوابَ العظيمَ.
المُسلمُ في هذه الحياة ومع تجدُّد الأيام وانقِضاء الأعوام لا بُدَّ له من ذِكرٍ وتذكيرٍ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55].
وأُذكِّرُ نفسي وإياكم - أيها المسلمون - بهذه الوصايا:
حُجَّاج بيت الله الحرام! الإسلامُ هو الحِصنُ الحصين، والإيمانُ هو الدِّرعُ المتين، والعِزَّةُ في ظلِّ هذا الدين، كما قال عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: "نحن كنا أذلَّ قومٍ، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلبُ العِزَّةَ بغيره أذلَّنا الله".
فالشكرُ لله على ما حبانا من نعمةِ الإسلام، والتوفيق للحجِّ إلى بيته الحرام، الشُّكرُ وإن قلَّ ثمنٌ لكلِّ نوالٍ وإن جلَّ، فإذا لم يشكُر المرءُ ربَّه فقد عرَّضَ النعمةَ للزَّوال، وأعلى مقامات الشُّكر: الاستِجابةُ لله وللرسول، والمُبادرة إلى الطاعات وفعل الخيرات؛ فإن نفسَ المُؤمن لا تستكين، وهمَّتُه لا تلين حتى ينالَ الأجرَ الجزيل، وكلما سكَنَت نفسُه أحدثَ لها نشاطًا وقال لها: يا نفسُ! أبشِري؛ فقد قرُب المنزل، ودنا اللاقِي، فلا تنقطِعي في الطريق دون الوُصول، فيُحالُ بينك وبين منازلِ الأحِبَّة.
من الطاعات التي تزيدُ الإيمان: المُبادرةُ إلى حِلَق العلمِ ومجالس العُلماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وزيارة المرضَى، وإصلاح ذات البَيْن، وإماطة الأذى، واتباع الجنائز.
بمعنى: أن يغتنِمَ المُسلمُ كلَّ فرصةٍ سانِحةٍ؛ فإن الرَّجُل إذا حضَرَت له فُرصةُ القُربَى والطاعة فالحَزمُ كلُّ الحَزمِ في انتِهازِها والمُبادرة إليها؛ فإن العزائمَ والهِمَم سريعةُ الانتِقاض قلَّما ثبَتَت.
وأيُّ حرمانٍ أشدُّ من أولئك الذين تترادَفُ عليهم الفضائلُ الدينية ثم يُعرِضون عنها، ولا شيءَ أقبَحُ بالإنسان من أن يكون غافِلاً عن هذه الفضائل والعلوم والأعمال الصالِحة؟!
قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حجَّ لله فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه»، وقال - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم عرفة: «أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعده».
فيا مَن غفرَ الله ذنبَه، يا مَن تلألأت صحيفتُه طُهرًا ونقاءً! الحذرَ الحذرَ من الذنوبِ والآثام التي تُسوِّدُ الصحائِفَ وتُلوِّثُ القلوبَ، حافِظوا على صحائِفكم بيضاء نقيَّة، حصِّنوا أنفُسكم لئلبا تزِلَّ قدمٌ بعد ثُبوتها؛ فللذنوب عواقِبُ جِسام تُطفِئُ نورَ الطاعة، وتُورِثُ العبدَ وحشةً، والقلبَ ظُلمةً، سببٌ لهوان العبدِ على ربِّه؛ بل هي شُؤمٌ وذلٌّ في الدنيا والآخرة، إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11].
حرِيٌّ بالعاقلِ أن يكون مُراقِبًا لربِّه، مُحاسِبًا لنفسه، مُتدبِّرًا عاقِبَته، مُحافِظًا على الصلاة مع الجماعة، مُعلِّقًا قلبَه بالمساجِد، تالِيًا كتابَ الله.
سِمةُ المُهتدين: مُجاهدةُ النفس على هجر الهوى، وقمع الشهوات المُحرَّمة، ومن تمرَّن على دفعِ الهوى المأمونِ العواقِب تقوَّى على تركِ ما تُؤذِي عواقِبه؛ ذلك أن مُدمِني الشهوات يصيرُون إلى حالةٍ لا يلتذُّون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركَها.
أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله الحرام:
لقد تنوَّعت في هذا العصر الشهوات، وترادَفَت الشُّبُهات، وهذا يتطلَّبُ أن يكون المُؤمنُ قويًّا في عقيدته وإيمانه وسُلوكه، قويًّا في إيمانه بالقضاء والقدَر، قويًّا في بدنه وفِكره وقلَمه، قويًّا في علمه واقتِصاده وصناعته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ»؛ رواه مسلم.
حُجَّاج بيت الله! في رِحاب هذا المسجد والمسجد الحرام؛ بل في كلِّ منسَكٍ من مناسِكِ الحجِّ ترى واقِعًا غيرَ مشهودٍ، فالأجسادُ تقارَبَت، والقلوبُ تآلَفَت، والشعائرُ توحَّدَت، والمشاعِرُ تهذَّبَت، إنك ترى الأمةَ الإسلاميَّةَ في أسمى معانيها، كأنهم أغصانٌ مُتشابِكة مُؤلَّفة من دوحةٍ واحدةٍ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63].
فلا عُنصريَّة ولا عِرقيَّة، هذه الأُخُوَّة لا وزنَ لها إذا كانت مُجرَّد شِعارٍ يُتغنَّى به، وشكليَّاتٍ يُتجمَّلُ بها، الأخُ لا يظلِمُ أخاه ولا يُسلِمُه ولا يخذُلُه ولا يحقِرُه، يغفِرُ الزَّلَل، يسُدُّ الخلَل، يقبَلُ العِلَل.
قال إبراهيمُ النَّخَعي: "لا تقطع أخاك ولا تهجُره عند الذنب؛ فإنه يرتكِبُه اليوم ويترُكُه غدًا".
الأُخُوَّة - عباد الله - تقتضي كفالةَ الأيتام، رحمة الضعيف، إطعام الجائِع، مُواساة المريض، توقير الكبير، مُساعدة العاجز والمُعاق، الاستِجابة لصرخات المُستغيثين وتفريج كُرباتهم.
أيها المسلمون:
تغمُر المُسلِمَ الفرحةُ وهو يرى هذه الجُموعَ المُبارَكة، ثم لا تلبَثُ الفرحةُ أن تخبُو فيُصابَ بالأسَى والحُزن حين يتذكَّرُ اختلافًا مقيتًا قد نخَرَ في جسد الأمة، وفُرقةً عظيمةً قطَّعَت أواصِرَ الأُخُوَّة، فتآكَلَت بُنيتُها الداخليَّة، واقتَتَلت فيما بينها، وحوَّلَ بعضُهم الآراء إلى تحزُّبٍ فكريٍّ، أو تنطُّعٍ سياسيٍّ.
وطائفة تتعصَّبُ لمذهبها، وفتاوى أئمتها وعلمائها، ولا تقبَلُ الردَّ إلى الله ورسوله عند الاختِلاف في شيءٍ من أمور الدين، كيف تختلفُ الأمةُ ونبيُّها واحدٌ، وقِبلتُها واحِدة، وكتابُها واحِدٌ؟!
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "إنما أُنزِل القُرآن فقرَأناه وعلِمنا فيما أُنزِل، وإنه سيكونُ أقومٌ يقرءون القُرآنَ ولا يدرُون فيما أُنزِل، فيكون لكلِّ قومٍ فيه رأي،فإذا كان كذلك اختلَفوا"؛ أي: أنهماختلَفوا بسبب الجهل.
قال الله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطانَ قد أيِسَ أن يعبُد المُصلُّون في جزيرة العربِ، ولكن في التحريش بينهم»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ».
ودورُنا: العملُ على وحدة الأمة ونبذِ الاختِلاف، وتعميق أواصِر العلاقة بين المُسلمين.
عباد الله:
لقد آنَ الأوانُ لأمة الإسلام أن تتسنَّمَ ذُرَى الرُّقِيِّ، فهي خيرُ أمةٍ أُخرِجَت للناس، والعالَمُ اليوم ينشُدُ مُنقِذًا، ويعيشُ فراغًا، وواجبُنا نشرُ الدين والدعوة إلى الله؛ فأمَّتُنا صاحبَةُ رسالةٍ، وحامِلةُ دعوةٍ، واجبُنا أن نُبلِّغَ دينَ الله، ونُظهِرَه بالعمل بالقُدوةِ الحسنة، والأُسوةِ الصالحةِ؛ لنُعيدَ للإسلام أمجادَه، ونُعطِّرَ تاريخَه. إن صلاحَ المُؤمن هو أبلغُ خُطبةٍ تدعُو الناسَ إلى الإيمان.
قال الأوزاعيُّ - رحمه الله -: "إن المُؤمنَ يقول قليلاً ويعملُ كثيرًا، وإن المُنافِقَ يقول كثيرًا ويعملُ قليلاً".
والناظرُ في أوضاعنا وأواع المُجتمعات الإسلامية في هذا العصر يجِدُ أن عقيدتَنا وأخلاقَنا لا تكادُ تتواءَمُ مع حياتنا العملية في بعض مناحي الحياة، والمُطابقةُ بين القول والفعل علامةُ الصِّدق، ودليلُ الإيمان، وأساسُ قَبولِ الدعوة.
ولذلك يقول الحسنُ البصريُّ - رحمه الله -: "عِظِ الناسَ بفعلِك، ولا تعِظْهم بقولِك".
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى رِضوانه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ تُقاته، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإن المُتأمِّلَ في بعض دِيار المُسلمين يلحَظُ أن المساجِد قد أصابَها بعضُ الهَجر، فتعطَّلَ تأثيرُها وفُقِد أثرُها، وربُّنا - تبارك وتعالى - يقول: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: 36].
نحن مُطالَبون اليوم أن نُعيدَ للمسجد رسالتَه؛ ليكون موطِنَ عبادةٍ، ومحضِنَ تربيةٍ، ومركزَ علمٍ وإصلاحٍ لغرس القِيَم ونشر الفضائل.
فعن عُقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا يغدُو أحدُكم إلى المسجدِ فيعلمَ أو يقرأَ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتَيْن، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربع، ومن أعدادهنَّ من الإبِل»؛ رواه مسلم.
ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسول الهدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم إنا نسألُك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، اللهم إنا نسألُك رِضوانَك والجنة، ونعذُ بك من سخَطك ومن النار.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم أعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصُرنا ولا تنصُر علينا، وامكُر لنا ولا تمكُر علينا، واهدِنا ويسِّر الهُدى لنا، وانصُرنا على من بغَى علينا.
اللهم اجعَلنا لك ذاكِرين، لك شاكِرين، لك مُخبتين، لك أوَّاهين مُنيبين.
اللهم تقبَّل توبتَنا، واغسِل حوبتَنا، وثبِّت حُجَّتنا، وسدِّد ألسِنتَنا، واسلُل سخيمةَ قلوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم احفَظ المُسلمين في بلاد الشام، اللهم احفَظهم بحفظِك، واكلأاهم برعايتك، اللهم ألِّف بين قلوبِهم، وأصلِح ذاتَ بينهم، اللهم كُن لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا وظهيرًا يا رب العالمين، اللهم فرِّج همَّهم، ونفِّس كربَهم، ويسِّر أمرَهم، وسدِّد رميَهم، واحفَظهم في برِّك وجوِّك يا رب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إن طاغية الشام وأعوانَه قد بلَغوا في الظلم مُنتهاه، وفي الجُرم غايتَه، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعَل الدائرةَ عليهم يا رب العالمين.
اللهم مُنزِلَ الكتاب، مُجرِيَ السحاب، هازِمَ الأحزاب، اهزِمهم وانصُر المُسلمين عليهم، إنك على كل شيءٍ قدير، يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نسألُك يا الله بأنك أنت الواحد الأحد الصمد، اللهم يا قوي يا عزيز، اللهم إنا فُقراء إليك، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ يا أرحم الراحمين.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين.
اللهم احفظ حُجَّاج بيتك الحرام، اللهم رُدَّهم إلى ديارهم سالمين غانِمين مقبُولين فرِحين مُستبشرين، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملاً صالحًا مُتقبَّلاً مبرورًا يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم هيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ الناصِحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.[/font]

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-18-2012, 08:45 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

[font="arial"

]سعادة العبد في طاعة ربه

ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله - خطبة الجمعة 2 محرم 1434 هـ بعنوان: "سعادة العبد في طاعة ربه"، والتي تحدَّث فيها عن طاعة الله تعالى، وأنه ما شقِي بذلك أحد، ولا سعِد بمُخالفة ذلك أحد، ونبَّه إلى أن الليالي والأيام كم شهِدَت على أقوامٍ بالخير والشرِّ، وكم هلكَ أناسٌ ولم يدَّخِروا نعَمَ الله عليهم ليوم القيامة. فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الغفار، خلق الخلقَ ودبَّرهم بقُدرته وعلمه ورحمته هو الواحد القهَّار، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك الملِكُ الجبار، يُقلِّبُ الليل والنهار، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى المُختار، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الأبرار.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه؛ فتقوى الله وقايةٌ من عقوباته، وفوزٌ بجناته، ولا تكونوا من الذين نسُوا لقاء الله، فخسِروا آخرتهم، وذهبَت دُنياهم.
عباد الله:
اعلموا أنه ما شقِي بطاعة الله أحد، وما سعِد بمعصية الله أحد، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23].
أيها الناس:
إن ربَّكم - تقدَّست أسماؤه - رحيمٌ قديرٌ، حكيمٌ عليمٌ، جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ والجوارحَ؛ لتشكروه بالعبادة، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78].
ومن رحمته - سبحانه -: أن نصَبَ للمُكلَّفين الآيات الكونية، وأوجدَ هذه المخلوقات البديعة الصُّنع؛ ليعرِفَ الخلقُ ربَّهم - عز وجل -، ليتقرَّبوا إليه بفعل أوامره وترك نواهيه، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس: 5، 6]، وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 37، 38]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62].
قال المُفسِّرون: "جعلَهما يتعاقَبان توقيتًا لعبادة الله تعالى من العباد؛ فمن فاتَه عملٌ بالليل استدرَكَه بالنهار، ومن فاتَه عملٌ بالنهار استدرَكَه بالليل".
فالليلُ والنارُ آيتان من آيات الله، تعاقبَا على الأرض منذ خلقَ الله السماوات والأرض، وجعلَ الله فيهما منافعَ للخلق لا يُحصِيها أحدٌ إلا الله تعالى، وفيهما من العِبَر والمواعِظ ما لا يأتي عليه الحصرُ والعدُّ.
يومٌ وليلٌ يمضِيان يكون منهما الشهر، وشهرٌ مع شهر تكون منهما السنة، وسنةٌ بعد سنة تكون منهما أعمارُ الأفراد والأجيال والأمم والأحياء في هذه الدنيا، ثم يُحشَرون إلى الله فيُجازِيهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولا يظلم ربك أحدا.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40].
هذا الليل والنهار صحِبَا أقوامًا مضَوا، فشهِدا عليهم بسُوء أعمالهم، فهم بشرِّ المنازل، وصحِبَا أقوامًا مضَوا، فشهِدا لهم بحُسن أعمالهم، فهم بخير المنازل.
ألا من مُتذكِّر؟ ألا من مُعتبِر؟ ألا ترحمُ نفسكَ أيها الغافل؟ ألا تتوب إلى الله تعالى أيها المُتمادي؟ ألا تُقلِعُ عن المعاصِي أيها المُغترُّ بحلمِ ربِّه؟ ألا تستحِي من الله - عز وجل - الذي أنعمَ عليك بالنعم الظاهرة والباطنة، وأنت تُبارِزُه بالذنوب؟ ألا يلينُ قلبُك القاسي للمواعِظ والآيات؟ ألا تُحاسِبُ نفسكَ قبل الممات؟ ألا تعلم أن لذَّات المُحرَّمات تنقضِي وتُنسَى كأن لم تكن، وتبقى التَّبِعات؟
أما ترى كثرةَ الغادين والرَّائِحين الذين يُشيَّعون إلى رب العالمين، وأنت غدًا على النعشِ من المحمولين؟ أتظنُّ أن الله غافلٌ عما يعمل الظالمون؟!
ويا أيها المؤمن! ألا تحبُّ أن تستكثِر من الخيرات قبل أن يُحالَ بينك وبين الأعمال الصالحات؟!
إن في انقِضاء عام وإقبال عام لمواعِظ وعِبَرًا لأُولي الألباب، وآيات لأُولي الإيمان والبصائر الذين يخشَون ربَّهم ويخافون سُوءَ الحِساب.
تُذكِّرُنا السُّنون الخاليات بما أودعَ فيها الخلقُ من الأحداث والأعمال شاهدةً لهم أو عليهم؛ فالرُّسُل - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعُهم أودَعوا هذه السنين دلائلَ الأعمال وصالحَ الأقوال والفِعال، نُصرةً لدين الله - عز وجل -، وعبادةً لرب العالمين، وهدايةً للخلق، ودعوةً إلى الله تعالى، ورحمةً بالناس، وصبرًا على الأذى في سبيل الله، ففازوا بخيرَي الدنيا والآخرة، ونجَوا من كلِّ شرٍّ.
قال الله تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 88، 89].
وأعداءُ الرُّسُل وأتباعُهم في العداوة أودَعوا السنين الخاليات الكُفرَ والمعاصِي والمُحادَّة لله ولرسله - عليهم الصلاة والسلام -، فخابُوا وخسِروا وكُبِتوا وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون، فلم يُمتَّعوا في الدنيا إلا قليلاً، ولم ينالوا نصيبًا في الآخرة.
قال الله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 42- 44]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: 40، 41].
ومن أعظم الحوادث وجلائل الأعمال: هجرةُ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - التي نذكُرها كلَّ عام، الهجرةُ من مكة إلى المدينة بأمر الله تعالى، والتي جعلَها نصرًا لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40].
فجعلَ لله هذه الهِجرةَ فاتِحةَ نصرٍ للإسلام إلى يوم القيامة، والمُسلمُ في هذا الزمان إذ لم يُدرِك فضلَ الهِجرة، فقد فتحَ الله له بابَ هجرةٍ أخرى، فيها عظيمُ الأجور والثواب، فقد يسَّر الله تعالى للمُسلم في هذا الزمان وما بعده أن يُهاجِرَ بقلبه إلى الله من الشركِ كلِّه إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن المُعوِّقات عن عبادة الله إلى الاجتهاد في العبادة، ومن البِدع إلى التمسُّك بسنة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الهوى إلى ما يحبُّ الله ورسولُه - عليه الصلاة والسلام -.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العبادةُ في الهَرجِ - أي: في الفتن - كهِجرةٍ إليَّ»؛ رواه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المُسلِمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويدِه، والمُهاجِرُ من هجرَ ما حرَّم الله».
والآياتُ القرآنيةُ هي التي تهدي القلوب، وتُنيرُ البصائر، وتُصلِحُ الإنسان، وترفعُ اهتماماته، وتُنظِّمُ حياتَه، وتُغذِّي إيمانَه، وتُقيمُه على الصراط المُستقيم.
والاعتبارُ والانتفاعُ بالآيات الكونية مع العمل بالآيات القُرآنية يبلغُ به الإنسانُ درجةَ الكمال والفضائل، ويتطهَّرُ من الرذائل، قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9].
ولكنَّ القرآن الكريم لا ينفعُ إلا من تدبَّرَه وفهِمَه على فهم السَّلَف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ؛ فالقُرآنُ حُجَّةُ الله على الناس أجمعين، قال الله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المُرسَلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وليِّ المُتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله:
اعملوا لحياتكم الأُخروية؛ فهي الحياةُ حقًّا، قال الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 22- 30].
واحفَظوا وصيَّةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع؛ حيث قال: «أيها الناس؛ اتقوا الله»، وفي رواية أحمد: «اعبُدوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهرَكم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم»، وفي "مسند بقيّ بن مخلد": «وحجُّوا بيتَكم، وأطيعوا ذا أمرِكم، تدخُلوا جنَّةَ ربكم»؛ رواه أحمد، والترمذي واللفظُ له.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعُه: «اغتنِم خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هرمك، وغِناك قبل فقرك، وصحَّتك قبل سُقمك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتَك قبل موتِك».


عباد الله:
إن اللهَ أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - جلَّ من قائل -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيدِ الأولين والآخرين وإمام المُرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذريَّته صلاةً وسلامًا كثيرًا، اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمُشركين يا رب العالمين، اللهم دمِّر أعداءَك أعداء الدين، اللهم دمِّر أعداءَك أعداء الدين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيّك يا رب العالمين.
اللهم يسِّر أمورَنا، اللهم يسِّر أمورَنا، واشرَح صُدورَنا، وأعِذنا من شُرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم أصلِح ولاةَ أمورنا، واجعل بلادَنا آمنةً مُطمئنَّة، وسائرَ بلاد المُسلمين يا رب العالمين.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، اللهم أعِنه على كل خيرٍ لشعبه ولوطنه وللمُسلمين يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّرُ، لا إله إلا أنت.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا رب العالمين، اللهم أنت أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألُك بقُدرتك على كل شيء، وبرحمتك التي وسِعَت كلَّ شيء، وبعلمِك الذي أحاطَ بكل شيء، نسألُك اللهم أن ترحمَنا، اللهم أنزِل علينا اليثَ ولا تجعلنا من القانِطين.
اللهم اغفِر لموتانا وموتى المُسلمين يا رب العالمين، اللهم اغفِر لموتانا وموتى المُسلمين إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك، وفُجاءة نقمتِك، وتحوُّل عافيتك، وجميع سخطِك.
اللهم إنا نعوذُ بك من سوء القضلاء، وشماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، ومن جهد البلاء.
نسألُك اللهم الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ.
اللهم أعِذنا وذريَّاتنا من إبليس وذريَّته وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المُسلمين وذريَّاتهم من الشيطان لرجيم وذريَّته.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.[/font]

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-24-2012, 09:31 AM   رقم المشاركة : 3

 

عِبرةٌ من قصة موسى - عليه السلام - وفرعون

ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة 9 محرم 1434هـ بعنوان: "عِبرةٌ من قصة موسى - عليه السلام - وفرعون"، والتي تحدَّث فيها أن قصصَ الأنبياء فيها العِبرةُ والعِظة، وأنها زادُ الطريق، وتُثبِّتُ المؤمنين، وذكرَ من هذه القصص: قصةَ إنجاء الله لموسى – عليه السلام – ومن معه، وإهلاك فرعون وجنوده، وبيَّن بعضَ الدروس المُستفادة منها، وذكَّر بما وردَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحثِّ على صيام هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى وقومَه، وبيَّن عِظَم فضله.


الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي أنعمَ علينا بنعمٍ نتقلَّبُ فيها ليلَ نهار، أحمده - سبحانه - وأشكرُه على فضلِه وخيرِه المِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيزُ الجبَّار، القويُّ القهَّار، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم عددَ الحُجَّاج والعُمَّار، وما تساقطَ من ورق الأشجار.
أما بعد:
فأوصِيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
في قصص الأنبياء عِبرةٌ وعِظة، هي زادٌ في الطريق، وتُثبِّتُ المُؤمنين، وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: 120].
وقصةُ موسى - عليه السلام - أطولُ قصص القرآن، وتتميَّز بتنوُّع مشاهِدها، وكثرة عرضِها.
وُلِد موسى - عليه السلام - والرُّعبُ يملأُ الأجواءَ، والأمةُ مُستضعفةٌ مُشتَّتةٌ، يسومُهم فرعونُ سُوءَ العذاب؛ يُذبِّحُ أبناءَهم، ويستحيِي نساءَهم، ويقتلُ كلَّ مولودٍ ذكَرٍ، حِفاظًا على سُلطانه. فأذلَّ أمَّتَه، وقهرَ قومَه ليبقَى حُكمُه، ويدومَ عرشُه، ويبنِيَ مُلكَه على جماجِم الأطفال، وأشلاء أجسادِهم، وحمَّامات الدماء.
هؤلاء طُغاةٌ نُزِعت الرحمةُ من قلوبهم، وانسلَخوا من مشاعِرهم الإنسانية، فحقَّت عليهم كلمةُ الله بزوال حُكمهم، وسُوء عاقبَتهم، ولا كرامةَ لهم بشرًا يمشون على الأرض، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7].
وهناك تملَّكُك الدهشةُ، ويحتضِنُك العجَب، الأمُّ خائفة، وتخشى أن يصِلَ نبؤُه إلى فرعون وقومِه فيقتلوه، ويُلهِمُها الله أن تُلقِيَه في اليمِّ، اليمُّ بأمر الله غدا ملجأً آمنًا، احتضنَ الطفلَ الرَّضِيعَ، وحماه من كلِّ سُوءٍ.
وتتوالَى الأحداثُ العجيبة؛ لتُبرِزَ للأمة ضآلةَ مكر الطغيان، وحقارةَ كيده، مهما صالَ وجالَ، أمام قُدرة الله وعظمته يقتلُ فرعونُ أطفالَ بني إسرائيل حتى لا يرى موسى نورَ الحياة، وتسوقُ الأمواجُ موسى الرَّضيعَ حتى تسكُن أمام قصر فرعون، ويقذِفُ الله محبَّتَه في قلب امرأة فرعون، لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص: 9].
ويُسخِّرُ الله فرعون؛ ليتربَّى موسى على فراشِه ومائدتِه، وهل يجرُؤُ مخلوقٌ أن يمسَّ بسُوءٍ من أراد اللهُ له السلامةَ والنجاةَ؟!
جاؤوا لموسى بالمراضِع، فعافَهنَّ، وتقدَّمَت أختُه تعرِضُ أن تأتي لهم بمُرضِعةٍ، فقبِلُوا، فجاءَت بأمِّه، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [القصص: 13].
هذا وعدُ الله، ووعدُ الله لا يتخلَّف، ويبقَى أن نزرعَ اليقينَ في نُفوسِنا بأنَّ من تعلَّقَ بخالقه وتوكَّلَ عليه مع الأخذ بالأسباب فإنه لا ييأسُ من روح الله، ولا يخنَعُ لوساوسِ الوهَن، ولا يتشاءَمُ مع الأحداث؛ بل تزيدُه الشدائدُ قوَّةً وعزيمةً وأملاً.
أمرَ اللهُ موسى أن يذهبَ إلى فرعون: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه: 24]، وهي مهمةٌ شاقَّةٌ، فقد ادَّعى فرعونُ الألوهيَّة، وبلغَ الغايةَ في البغي والغُرور.
وهنا يُسجِّل نبيُّ الله موسى - عليه السلام - درسًا منهجيًّا للدعوة والدُّعاة، وهو: أنه بدأ المهمة بتجرُّده من حولِه، والانخِلاع من قوَّتِه، والاطِّراحِ بي يدَي الله، مُسبِّحًا ربَّه كثيرًا، ذاكرًا اللهَ كثيرًا. فهذا زادُه وزادُ كلِّ داعيةٍ ومُربٍّ، قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه: 25- 34].
قال الله تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 43، 44].
قال قتادة: "يا ربِّ! إن كان هذا حلمُك برجلٍ قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38]؛ فكيف سيكونُ حِلمُك بعبدٍ سجَدَ لك وقال: سبحان ربي الأعلى".
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وصيةُ الله لموسى في خُطوته الأولى في الدعوة؛ القولُ الليِّنُ، فاللغةُ الهادِئة، وبيانُ الحق، ومُقارعةُ الحُجَّة بالحُجَّة، والحوارُ الهادئ أدبُ الدين وهديُ المُرسَلين. أما القولُ الفظُّ الغليظُ، والسِّبابُ والتقريعُ، والصُّراخُ والتجريحُ فإنه يُنفِّرُ من الدين، ويُشوِّهُ حقائقَه وسماحتَه، كما أن اللِّينَ لا يعني تمييعَ أحكام الدين ولَيَّ عنقِ أصولِه، وتذويبَ حقائقه ومنهجه بحُجَّة إرضاء الآخرين وكسبِهم.
فرعونُ يُحذِّرُ من موسى، ويجمعُ السَّحَرة في مناظرةٍ علنيَّةٍ لإسقاطِ موسى أمام الرأي العام، توطِئةً لإقصائِه وقتلِه، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى [طه: 60].
حضرَ السَّحرةُ ميدانَ المُناظرة، مُتآمرين على موسى، مُعتمِدين على عزَّة فرعون، وفي هذا الحشد المَهيب يُوصِي ربُّ موسى موسَى - عليه السلام -: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى [طه: 68]، لا تخَف؛ لأنك الأعلى الأعزُّ الأكرَم، الأعلى منهجًا، والأكرمُ خُلُقًا، والأعزُّ عقيدةً.
وهذه رسالةٌ لبعض بني جِلدتنا ممن تسرَّبَت إلى نفوسِهم الهزيمةُ النفسية، وتزعزَعَت مفاهيمُهم، وتخلخَلَت مواقِفُهم حين رأَوا انتِفاشةَ الباطل وزُهُوَّ الضلال.
ويُريدُ فرعون أمرًا، ويُريدُ اللهُ أمرًا، ويظهرُ أمرُ الله، اجتمعوا السَّحَرة فرأوا آيات الله ومُعجِزاته الخالِدة، فجاءت المُفاجأةُ الكُبرى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: 120- 122].
تمكَّن الإيمانُ من قلوبِهم فأشرقَ فيها، وانتصرَت العقيدةُ في حياتهم فعزَّت فيها، حضرَ القومُ الميدانَ سحرةً، فتحوَّلوا في لحظاتٍ شُهداءَ بَرَرة، وها هُم يرفَعون أصواتَهم بالقوة والتحدِّي بعد تهديد فرعون: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: 72].
لقد غدَا فرعونُ في نظرهم قَزَمًا؛ لأنه لا يملِكُ ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، كان همُّهم الدنيا، فصارَ تطلُّعهم مرضاةَ الله والآخرة، وأعلَنوا بقلوبٍ مُؤمنة توبةً صادقةً، داعِينَ ربَّهم المغفرةَ والرِّضوانَ. لقد حوَّلَ الإيمانُ الصادقُ السَّحرةَ إلى مؤمنين؛ بل دُعاةً إلى الدين، يدعُون الناسَ إلى الهُدى والنور، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه: 74، 75].
وهذا ليس غريبًا؛ فالقلبُ حين يتذوَّقُ حلاوةَ الإيمان ولذَّتَه يتمنَّى أن يطعمَ غيرُه هذه اللذَّةَ والحلاوةَ، وقد حوَى تأريخُنا قصصَ أممٍ وأفرادٍ كانوا يُحارِبون الإسلام، فجعلَهم الإيمانُ قِممًا في الدين، وأُسُودًا تُدافِعُ عن حِياضِه، وترعَى مصالِحَه.
وسجَّلَ واقِعَنا المُعاصِرُ نماذجَ تُحتذَى لأقوامٍ كانوا أئمةَ ضلالٍ في ترويجِ المُخدِّرات، ونهبِ الأموال، وانحِرافِ الأفكار، فحوَّلَهم الإيمانُ أئمةَ هُدًى ونماذِجَ تُقًى.
ولما وصلَ الاستِكبارُ غايتَه اقتربَت لحظاتُ النصر؛ ففي اليوم العاشِرِ من شهر الله المُحرَّم أنجَى اللهُ موسى ومن معه، وأغرقَ فرعونَ وملأَه، ولما رأى فرعونُ الهلاكَ وأدركَه قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90]، وهيهَات آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 91]، ويأتي الحُكمُ من الله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: 92] آيةً للطُّغاة والمُفسِدين، وآيةً للذين يقتلونَ شُعوبَهم، ويسفِكون دماءَهم، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ .
وفي هذا اليوم - يوم عاشوراء - الموافق ليوم غدٍ السبت يقول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «صيامُ يوم عاشوراء أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه»؛ رواه مسلم.
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
أما بعد:
فأوصِيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي خيرُ زادٍ.
أيها المسلمون:
كان من تعظيم موسى - عليه السلام - للأرضِ المُقدَّسة وبيت المقدِس: أن سألَ اللهَ - تبارك وتعالى - عند الموت أن يُدنِيَه منها؛ روى البخاري في "صحيحه" مرفوعًا: «.. فسألَ اللهَ أن يُدنِيَه من الأرض المُقدَّسة رميةً بحجَر»، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلو كنتُ ثمَّ لأرَيتُكم قبرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكَثيبِ الأحمر».
وإن القلبَ ليعتصِرُ ألمًا، ويشتدُّ حُزنًا ونحن نرى الصَّهايِنةَ المُعتدِين يعيثُون فسادًا في بيت المقدِس، ويقذِفون حِمَم البارُودِ والمدافِعِ على شعبٍ أعزلَ في غزَّة. هذا العُدوان الغاشِم الذي قُتِلَ فيه الأطفالُ والنساءُ، ودُمِّرَت المُمتلكات يُبدِي الصورةَ الهمجيَّة للمُعتدين، وحِقدَهم الدَّفين، وأنهم لا يحترِمون العُهودَ والمواثِيق.
هذا العُدوان لا يقبَلُه مسلمٌ، ولا يرتَضِيه حرٌّ عاقلٌ، واستِمرارُه أو استِئنافُه بعد الهُدنة امتِهانٌ لكرامةِ المُسلمين.
وحمايةُ أبناء الشعبِ الفلسطينيِّ مسؤوليةٌ جماعيَّةٌ تقعُ على عاتقِ المُسلمين جميعًا، ونحن مُطالَبون باتِّخاذ خُطواتٍ جادَّةٍ وفعَّالةٍ لرفع الظلمِ ووقفِ نزيفِ الدمِ أبدًا.
ومع أن غزَّةَ قد نسجَت قصصَ العِزَّة؛ فإن هذا الظلمَ لن يدُومَ مهما طالَ ليلُه، فقد اشتدَّ مُلكُ فرعون وظُلمُه فعاقبَه الله وأغرقَه وقضَى عليه، وحينئذٍ يعودُ الحقُّ إلى أهلِه، قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [القصص: 5، 6].
ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسول الهدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه.
اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصَّحبِ الكِرام، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وإحسانِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرين، ودمِّر اللهم أعداءَك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم من أرادَنا وأرادَ الإسلامَ والمُسلمين بسُوءٍ فأشغِله بنفسه، واجعَل تدبيرَه تدميرَه يا سميع الدعاء.
اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكان، اللهم احفَظ المُسلمين في بلاد الشام، وانصُرهم على عدوِّهم وعدوِّك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألُك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألُك الهُدى والتُّقَى والعفافَ والغِنى، اللهم أعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصُرنا ولا تنصُر علينا، وامكُر لنا ولا تمكُر علينا، واهدِنا ويسِّر الهُدى لنا، وانصُرنا على من بغَى علينا.
اللهم اجعَلنا لك ذاكِرين، لك شاكِرين، لك مُخبتين، لك أوَّاهين مُنيبين.
اللهم تقبَّل توبتَنا، واغسِل حوبتَنا، وثبِّت حُجَّتنا، وسدِّد ألسِنتَنا، واسلُل سخيمةَ قلوبنا.
اللهم اغفِر للمُسلمين والمُسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألِّف بين قلوبِ المُسلمين ووحِّد صُفوفَهم، واجمع كلمتَهم على الحقِّ يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، ومُنَّ عليه بالصحة والعافية يا أرحم الراحمين.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعِك يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللهم تُحيِي به البلادَ، وتُفيدُ به العبادَ، وتجعلُه بلاغًا للحاضر والباد برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-02-2012, 09:09 AM   رقم المشاركة : 4

 

الشائعات وأثرها السيئ على الأمة

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة 16 محرم 1434هـ بعنوان: "الشائعات وأثرها السيئ على الأمة"، والتي تحدَّث فيها عن الشائعات وما تُسبِّبُه من آثارٍ سيئة وعواقِبَ وخيمةٍ في عضُد الأمة الإسلامية، مُتمثِّلةٍ في مقالاتٍ وتغريداتٍ، في مواقع وشبكاتٍ ومُنتدياتٍ، ومُراسلاتٍ بين فِتيانٍ وفَتياتٍ، وحذَّرَ من نقلِ الأخبار دون توثُّقٍ من مصدرِها ومدى نفعِها أو ضررِها، ونبَّه على خطورة المِساس بأصول الدين وثوابته عبرَ هذه التِّقنيَّات.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله ذي العزِّ القاهِر، والسلطان الظاهر، سبحانه عزَّ مجدُه، وعلا سلطانُه، علِمَ فستَر، وقدَّر فغفَر، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه، أسبغَ النعمة، وأجزلَ المنَّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقودُ إلى رِضوانه والجنَّة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ خلق الله وأهداهم إليه سبيلاً، وأدلُّهم عليه طريقًا، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأبرار، وأصحابه الميامين الأخيار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالكيِّسُ من دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ من أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني.
في مُرور الأعوام تصرُّم الأعمار، فما أسرعَ انقِضاء الليالي والأيام، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]. جعلَنا الله وإياكم ممن طالَ عُمرُه، وحسُنَ عملُه، وغُفِر ذنبُه، وثقُلَ ميزانُه.
أيها المسلمون:
وإن من أعظم ما يستوقِفُ الناظِر، ويبعثُ على المُحاسَبة الجادَّة: قولُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الصحيح: «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»؛ رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. إنها المُحاسبةُ الجادَّة، والفحصُ الدقيق.
معاشر المسلمين:
للكلمة أثرُها، وللصورة مفعولُها في أي وسيلةٍ، في خُطبةٍ أو مقالةٍ، أو مُحاضرةٍ أو تغريدةٍ، من خطيبٍ أو مُتحدِّث، أو كاتبٍ أو داعيةٍ، أو مُعلِّقٍ أو مُتابِعٍ، وفي أي وسيلةٍ من وسائل الإعلام والتواصُل.
وفي هذا الزمن بتِقنِيَّاته واتصالاته، وتدويناته وتغريداته، ومواقعه وشبكاته، وإعلامه وقنواته، ومواقعه وتدويناته وسيلتُها كلُّها: الكلمةُ والصورةُ؛ فويلٌ للمُتهاوِنين من المُغرِّدين والمُتابِعين!
كم هي العواقِبُ التي تُكلِّفُ الكثيرَ والكثيرَ من الأنفُس والأموال والجهود؟!
معاشر الأحِبَّة:
إن تهاوُن الناس - ولا سيَّما الفِتيان والفَتيات - مما ينعتُونَه بالثَّرثَرة الجماعيَّة من خلال المجامِيع التي يُنظِّمُونها أو ينتظِمون فيها في هواتِفهم وأجهزتهم؛ بل يتسارَعون لإحراز قصَب السَّبْق في نشر المعلومات أو تلقِّيها، بقطع النَّظر عن صحَّتِها أو دقَّتِها أو خطرِها، بل الخطرُ فيما تؤولُ إليها من نتائج خطيرة على الدين والعقيدة، وعلى البلاد وأهلها، وعلى الأمن والاستِقرار،مما ينشرُ الإرباك والاضطِراب، بل اخوفَ والإرهابَ.
ويزدادُ الخطرُ والخوفُ وسوءُ العواقِب حين لا تُعرفُ مصادرُ هذه الأخبار والإشاعات، ولا أغراض نشرِها وأهدافِهم، فلا مِصداقيَّةَ ولا موثوقيَّة، «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع».

هذه الوسائلُ والمواقعُ وسطٌ خصبٌ، وبيئةٌ للإشاعات والأخبار المُختلفة والمُختلَقَة والآراء والرُّؤَى غير المسؤولة، ناهِيكم بأنَّ كثيرًا ممن يشتغِلُ بنقلِ هذه الكلِمات والصُّور والأخبار الخطيرة هم الفارِغون البطَّالون الذين ليس لديهم ما يشغَلون به أوقاتَهم من الخير والنفع لهم ولدينهم وأمتهم وأوطانهم.
ويعلمُ المُتابِعُ العاقلُ - فضلاً عن المُتخصِّص - أنهم لا في العِير ولا في النَّفير، الواحدُ منهم مُتَّكِئٌ على أريكته، ومُلازِمٌ للوحته، وعاكِفٌ على جِهازه، يُلقِي الكلامَ على عواهِنه هنا وهناك.
كم كلمةٍ أو تغريدةٍ قالت لصاحبِها: دعني! وكم تدوينةٍ تهوي بقائلِها في نار جهنَّم أبعدَ ما بين المشرق والمغرب!
كلماتٌ تخرجُ كالسِّهام من أفواه البنادِق يقتلُ بها نفسَه، ويُهلِكُ أهلَه، ويُفسِدُ بلدَه، ويُجرِّئُ الأعداءَ، ويُمكِّنُ للخُصوم، ويبذُرُ بُذورَ الفُرقة، وينفَخُ في أبواق الفتنة. زاحمَ البَنانُ عنده اللسان ليُوغِلَ في التعقيبِ والتصنيفِ، والهدمِ والإفساد.
في كلماتٍ وصورٍ ومقاطع تستهزِئُ وتسخرُ من مُكوِّنات مُجتمعه، وكأنَّه قد تطوَّعَ يُسوِّدَ صُورتَه أمام الآخرين، ويُوثِّقَها صوتًا وصورةً، وكأنه مأجورٌ ليُدمِّرَ نفسَه، ويهدِمَ بيتَه، ويتنكَّرَ لهويَّته.
إذا سمِعَ خبرًا طارَ به كلَّ مطارٍ، ينشُرُه ويبُثُّه يُفاخِرُ بأنه حازَ السَّبْقَ في نشره، والكلمةُ تبلغُ الآفاق مُتخطِّيةً حواجِز الزمان والمكان في أجزاء من الثواني بلمسة بَنان أو غمزة أزرار. بل حقُّه أن يُحاسِبَ نفسَه قبل أن يُطلِقَ لسانَه، أو يغمِزَ بنانَه، أو يخُطَّ مقالَه، أو يُغرِّدَ تغريدتَه.
أين الحقيقة؟ وأين المصلحة؟ وأين الديانة؟ وأين الأمانة؟
يا تُرى هل هؤلاء يُسِّعون الآفاق أو يحفُرون الأنفاق؟! هل هم يَبنُون أو يهدِمون؟! هل هم يجمَعون أو يُفرِّقون؟! هل يزرَعون الأمل أو ؤيقودون لليأس؟! هل يرفعون من مقام أهلِهم وأوطانهم أو يُحقِّرون الذّوات ويسحَقون النفوسَ؟!
إنما يُفسِدُه هؤلاء المساكينُ الأغرار في لحظاتٍ قد لا يُمكنُ علاجُه في سنواتٍ، وقد يُكلِّفُ أموالاً ونفوسًا، وقد يستعصِي على العلاج. فلا حول ولا قوة إلا بالله!
معاشر المسلمين:
«كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»، «ولا يزالُ الرجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا، ولا يزالُ الرجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِب حتى يُكتبَ عند الله كذَّابًا».
وقد أخبَرَنا نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الحديث الصحيح فيما رآه من أحوال الآخرة أنه: «يرَى الرجلَ يكذِبُ الكِذبَة فتبلغُ الآفاق، فيُنشرُ شِدقُه ومِنخَرُه وعينُه إلى قَفاه». فما أشدَّه من عذابٍ، وما أطولَه من زمانٍ!!
معاشِرَ الأحبَّة:
هذه قضيةٌ، وثمَّة قضيَّةٌ أخرى مُرتبطةٌ بها، وهي أكبرُ وأخطرُ؛ بل قد تكونُ أثرًا من آثارها، أو هدفًا من أهدافها، إنها: أمنُ المعلومات؛ بل الأمنُ على الدين وثوابتِه وأصُوله، والأمنُ على الأوطان ووحدتها وتماسُكها.
هذه التِّقنيَّاتُ والآلاتُ والوسائطُ والمواقعُ جعلَت المسؤوليَّةَ أعظمَ، وجعلَت مفهوم الحرية أدقَّ، فالحرُّ هو المُسيطرُ على نفسه، الضابطُ لها بضوابط العقل والدين والعلم. الحريةُ هي التخلُّص من قيود الشهوات، وسجون الرَّغَبات. الحرُّ هو المسؤولُ الذي يُفكِّرُ بانضِباطٍ لا بانفِلاتٍ.
إن هذه التِّقنيَّات فضَحَت بعضَ الذين يودُّون التفلُّتَ من عيون الرَّقيب، ناهِيكم برقيبِ الدين والضمير والأخلاق والمبادِئ.
الإيمانُ دينٌ صحيحٌ، والمُواطَنةُ عقلٌ راشِدٌ، والمسؤوليَّةُ أمانةٌ وثباتٌ وسعيٌ في المصالحِ العُليا والدُّنيا، وسيرٌ في دُروبِ الخير والرشاد، والحثّ عليها.
أيها العُقلاء:
الهدمُ سهلٌ، والانحِدارُ إلى الهاوِية لا يُكلِّفُ - عياذًا بالله -، تأمَّلُوا في بعضِ جيرانِنا الذي يُصبِحون على العبوَّات الناسِفة، ويُمسُون على قذائِف مُدمِّرة تستهدِفُ المنازِلَ والمتاجِرَ والمعابِدَ والمكاتِبَ والطوائِف.
إن المُراقِبَ لبعض القُوى الإقليمية والدولية الذين يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراعات الطائِفيَّة القَبَلِيَّة والمذهبيَّة والمناطِقيَّة في منطقتنا يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراع، ثم يُوظِّفُوه ليُقطِّعوا الدولَ، ويُبعثِروا الشُّعوبَ، ويُشرِّدوا الناسَ، ليتوزَّعوا الغنائِمَ، ولا يُهِمُّهم البَتَّة ولا يكترِثون لمصالح شعوب المنطقة وأهلِها أماتُوا جوعًا، أو تفرَّقُوا شِيَعًا، أو تناثَرُوا طوائِفَ، أو تقطَّعُوا أحزابًا؟
والسعيدُ الحكيمُ من وُعِظَ بغيره.
معاشر الإخوة والأحِبَّة:
نحن في هذه البلاد الطاهرة لقد تركَ لنا الآباءُ والأجدادُ وطنًا مُوحَّدًا وآمِنًا، بلدًا كريمًا عريضًا واسعًا مُترامِيَ الأطراف، عليه وُلاةُ أمرٍ جادُّون حازِمون في المُحافَظة على هذه الوحدة وعلى هذه الأمة تحت راية: (لا إله إلا الله، محمدٌ رسولُ الله) وخدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما.
فيجبُ أتن تُقدَّر هذه النعمةُ الكُبرى، وأن يُحافَظَ عليها وتُورَّثَ للأبناء ثم الأجيال من بعدِهم - بإذن الله - لينعَموا بما ننعَمُ به من أمنٍ وإيمانٍ وخيرٍ وفضلٍ.
الحَذَرَ ثم الحَذَرَ من خُطباء الفتنةِ والتحريضِ، دُعاة تمزيق الأوطان، والعبَث بوحدتها، السُّعاة إلى تأجيج الفتنة وإثارة الفُرقة، في تُهمٍ باطلةٍ، وطعونٍ ظالمةٍ، وناصيةٍ كاذِبةٍ خاطِئةٍ، يصِفون أوطانَهم وأهلِيهم ورجالَهم بأقبَح الأوصافِ، في أسلوبٍ فجٍّ، وسوءٍ من القولِ.
يقومُ قائمٌ مأفونٌ هو الأغشُّ للأمة والأئمة، والأشدُّ على جماعة المسلمين ليهدِم الشوكة، ويُضعِف القوة، ويخدِم الأعداء، يزعُمُ أنه يُطالِبُ بحقوقٍ، ولن يكون نَيلُ الحقوق بفُحش القول، والتحريض، وامتِطاء مطيَّة العُنصريَّة والطائفيَّة، والاستِقواء بالسمَّاعين والدول الأجنبيَّة وأعداء الأمة، يُثيرُ الفتن، ويجرُّ الأغراب، ويتقوَّى بالخارجِ، وهذه خيانةٌ ظاهرةٌ، وتفريطٌ بالبلاد ومُقدَّراتها وأهلِها، ومثلُ هذا لا بُدَّ من الحَزم معه وأطرِه على الحقِّ وإلزامِه جادَّة الصواب، وحفظِ أمن البلاد والعباد، ووحدة الصفِّ والكلمة.
أيها المسلمون:
إن من مسؤولية الدولة وواجبِها أن تضرِبَ بيدٍ من حديدٍ على كل من يقتربُ من هذه الثوابِت ليهُزَّها أو ينالَ منها، إنه عبثٌ غيرُ مسؤولٍ ينالُ من الدين والوطن. الدولة مسؤولةٌ عن أمن الناس وحمايتهم وصيانة حقوقِهم ومُمتلكاتهم، وتنظيم شؤونهم في أسواقهم وبيوتهم ومرافِقهم.
الدولةُ بأجهزتها القضائيَّة والتنظيميَّة والتنفيذيَّة مسؤولةٌ عن أمن الناس واستِقرارهم، وتحقيق العيش الكريم لهم، مسؤولةٌ عن تحقيق العدل وتهيِئةٍ أسباب الحياة الطيِّبة.
وبعد، عباد الله:
فالحقوقُ مُتكافِئة، والحياةُ مُنظَّمة، والمصالِحُ مُعتبَرة، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا في وطنٍ قويٍّ هادئٍ، مُستقرٍّ آمنٍ، تحكمُها دولةٌ قويةٌ مُهيمِنةٌ بقضائِها وأجهزتها وعدالتها.
وليحذَر المُسلمُ أن يكون مطيَّةً للإفساد وبثِّ روح الفُرقة، والخذلان لدينه، والخيانة لوطنه ولسائر أهله.
الحَذَر ثم الحَذَر أن يكون الإنسان من حيث يشعُر أو لا يشعُر وقودًا أو حطَبًا لمثلِ هذه الدعوات الفئويَّة الضيِّقة التي لا تأخُذُ حسابًا لأهلها وبلدِها وأمنِها وسلامتها، والضررُ سيلحقُ بالجميع، والنارُ ستُحرِقُ الجميع، ومن يتقاعسُ عن التصدِّي لهؤلاء الشُّذَّاذ والمُرجِفين والمُتطرِّفين، أو يُحاوِلُ إيجادَ أعذارٍ أو مُسوِّغاتٍ أو ينقُدهم بضعفٍ أو استِحياءٍ فهو شريكٌ في إضعاف الوطن وهزِّ كِيانه.
ووحدةُ الأوطان وسلامتُها والحفاظُ على دينها وأمنِها لا يجوزُ المِساسُ به أو العبَثُ به، بأي حالٍ وتحت أي مُسوِّغ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 25، 26].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

ا
لخطبة الثانية
الحمد لله، أنارَ بالإيمان قلوبَ أهل السعادة، فأقبَلَت على طاعة ربِّها مُنقادَة، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه وعَدَ على الشُّكر بزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعظِم بها من شهادةٍ، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المخصوصُ بالاصطِفاء والاجتِباء والسيادة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صدَقوا في الإيمان وأحسَنوا العبادة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما بقِيَت أعلامُ الدين مرفوعة وراياتُه مُشادَة، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد، فيا أيها المسلمون:
المُطالبةُ بالحقوق حقٌّ، وبابُ التناصُح مشروعٌ ومُشرَعٌ، وللناس حقوقُهم ومطالِبُهم، والنقصُ يجبُ أن يُسدَّد، والمطالِبُ تُرفَعُ وتُسمَعُ، ومسالِكُ النقد والمُطالبة بالإصلاح حقوقٌ مشروعةٌ إذا سُلِك بها المسالِكُ الصحيحةُ.
حقُّ النقد والتعبي والرأي كلُّ ذلك مشروعٌ مكفولٌ، ويجبُ أن يكون مبذولاً ومُتاحًا ما دام مُلتزِمًا بالثوابت من المُحافَظة على الدين بأُصوله، والوطن بوحدته، والأمة بمُكوناتها.
من المقبول أن يقسُو الناقِدُ والمُصلِحُ بعضَ القسوة في ألفاظه وعرضِه، ولكن لا يُمكنُ أن يُقبَل الاستِقواء بالأغراب، واستِعداء الأعداء، وامتِطاء مطيَّة الكذِب والتلبيس والتدليس.
إن في أوطاننا وبُلداننا كُتَّابًا وخُطباء ونُقَّادًا يكتُبون وينتقِدون بجُرأةٍ وقوَّةٍ وعقلٍ ويُطالِبون، لكنَّهم لا يتجاوَزون ثوابِتَ دينهم ومصالشحَ بُلدانهم، ولاؤُهم لأهلهم لا يُساوِمون، ولا يُدارُون، والقُصورُ وارِدٌ، والكمالُ عزيزٌ، والاجتِهاداتُ تُخطئُ وتُصيبُ.
يجبُ أن يكون الفرقُ واضِحًا بين حرية التعبير وحرية الرأي، وبين التحريض والتحريش ودقِّ معاوِل الهَدم والتفريق. فرقٌ بين النقد البنَّاء والدعوة للإصلاح، وبين زرع بُذور الفتن الطائفيَّة والقَبَليَّة والمناطقيَّة.
أصحابُ الحقوق والمطالِب المشروعة حقٌّ أن يُسمَع لهم، وأن تُستنهَضَ كلُّ المُؤسَّسات المُتخصِّصة الرسمية وغير الرسمية ليُستمَع إليهم، ويُنظَر في مطالبِهم، فما ثبَتَ من حقٍّ فيجبُ المُسارعةُ إلى تحقيقه حسبَ إمكانات الزمانِ والمكان والقُدرات، وما كان غير ذلك فيكونُ الردُّ بالحُسنى، وتقدير حقِّ المُطالبة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالسعيدُ من وُعِظ بغيره، والحكيمُ من نظرَ في العواقِب.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادقُ في قِيلِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك.
وإننا نحمدُك اللهم على ما مننتَ به عليه من الشفاء والعافية، فهو وليُّ أمرنا، وراعِي أمَّتنا، والدُنا خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ الصالحُ، المؤمنُ بربِّه، الواثِقُ بفضلِه وبرِّه وإحسانه، فنسألُ الله أن يُتِمَّ عليه نعمةَ الصحةِ والعافيةِ، وأن يمدَّ في عُمره، ويُبارِكَ في عمله، وأن يحفظَ بلادَنا في أمنِها وإيمانها، وأن يرزُقنا الثباتَ على التقوى في ظلِّ هذه القيادة المُبارَكة.
لقد أتمَّ الله علينا نعمةَ الفرح والسرور، وبُشرى الصحة والبَهجة، فرحةٌ وبهجةٌ تغمُرُ كلَّ المُحبِّين، نابِعةً - بعد فضل الله ومنَّته - من مواقِف قائدِنا الثابتةِ الصادقةِ، وأيادِيه البيضاء، وصفاء قلبِه، وشفافية مسلكِه. ذلكم هو جسرُ العلاقة بينَه وبين أبناء شعبِه وأمَّته، فالحقائقُ والشفافيَةُ والعقلُ والاتِّزانُ هي النهجُ الذي ينتهِجُه ويُوجِّهُ إليه - حفظه الله -.
فلا عجبَ أن يتبوَّأ مكانة أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيرًا في سنواتٍ مُتتالياتٍ.
فالحمدُ لله على فضلِه ونعمائِه، ولا عزاءَ لأسرَى الشائعات، ولا نامَت أعيُن المُتقوِّلين.
اللهم أدِم عليه نعمةَ الصحة والعافية، ووفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، وفي بورما، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم عليك اللهم بالطغاة الظلمة في سوريا وفي بورما، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، الله فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
سبحان ربك رب العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-15-2012, 11:00 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

كيف النجاة من الواقع المُرّ؟

ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة 23 lpvl 1434iJ بعنوان: "كيف النجاة من الواقع المُرّ؟"، والتي تحدَّث فيها عن واقع المُسلمين اليوم، والمُلِمَّات التي نزلَت بالمُسلمين في كثيرٍ من البُلدان، وبيَّن أنه لا خروجَ من هذه الأزماتِ الطاحِنة أو النوازِل المُدلهِمَّة إلا بالاعتِصام بالكتابِ والسنةِ، وذكرَ شيئًا من الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية والآثار الدالَّة على ذلك.

الخطبة الأولى

الحمد لله كاشفِ الضرَّاء ورافعِ البَلوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من تضرَّع إلى ربِّه ودعا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ أهلِ التقوى.
أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سبيلُ الفلاح فيا الدنيا وفي الأُخرى.
أيها المسلمون:
إن البشرَ على مُستوى مُجتمعهم وأفرادهم يمُرُّون في هذه الدنيا بأحوالٍ؛ منها حال البأساء والضرَّاء، حال المِحَن والمتاعِب والبلاء، وهكذا حالُ هذه الدنيا الفانِية الزائِلة، الدنيا التي تتنوَّعُ فيها الهُمومُ، وتتلوَّنُ فيها الغُموم.
وإن مُجتمعات المُسلمين اليوم يُعانُون من مضائِق لا نهاية لها، ويُقاسُون آلامًا لا حدَّ لها، وإلى الله المُشتكَى، وهو المُستعان، وعليه التُّكلان.
إن واقعَ المُسلمين اليوم يمُرُّ بمراحل خطِرة، وأزماتٍ مُتتابِعة؛ فكم هي المِحَن التي تقع؟! وكم هي الفتنُ التي تعصِفُ؟!
أسألُ اللهَ أن يُفرِّجَ الكربةَ ويكِشِفَ الغُمَّة، إنه هو وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
إخوة الإسلام:
إن المُتأمِّل في حال المُسلمين مع هذه الحالِ التي وصفْنا يجِدُ عجبًا من الغفلة عن المنهج القُرآنيِّ الذي رسمَه للمُسلمين، وخطَّه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منهجًا واضحًا عند نزول الكُرُوب والشِّداد الخُطوب. المُسلمون لا يُمكنُ بأي حالٍ أن يجتازُوا مِحنةً أو أن يسلَموا من مُصيبةٍ إلا من مُنطلَق مبادِئَ قُرآنيَّةٍ وأُصولٍ نبويَّةٍ.
المُسلِمون لا تُحلُّ قضاياهم المُتعقِّدة، ولا يتخلَّصُون من مصائبِهم المُتعدِّدة بالتعلُّق بأي قوةٍ بشريَّةٍ مهما كانت بمَنأًى عن المنهج القرآني والتوجيه النبويِّ.
المُسلِمون أصحابُ رسالةٍ وذوو عقيدةٍ متينةٍ تقوم على الإخلاص بالتعلُّق بالخالق - عز وجل -، والتقوِّي بالقادر على كل شيءٍ - تبارك وتعالى -، والتوكُّل على القاهِر فوق عبادِه - جل وعلا -.
إن الأصلَ الأصيلَ والرُّكنَ الركينَ عند وقوع الكوارِث ونزول المصائِب أن يقطعَ المُسلِمون علائِقَهم إلا بالله - جل وعلا -، إخلاصًا وصدقًا، رغبًا ورهَبًا، تضرُّعًا ودُعاءً؛ فالأمةُ حُكَّامًا ومحكومين، شعوبًا وأفرادًا لا نجاةَ لهم من ضرَّاء، ولا مخلَصَ لهم من شقاءٍ إلا حينما يتيقَّنون بأن المخلَصَ لا يُمكنُ إلا من الخالقِ - جل وعلا -، المدعُوِّ عند الشدائد، المرجُوِّ عند النوازل، قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: 63، 64].
إن المسلمين لم يسترِدُّوا أرضًا مُحتلَّة، ولم يتخلَّصُوا من عدوٍّ مُتغلِّبٍ إلا حينما تستقرُّ في قلوبِهم عقيدةٌ راسِيةٌ رُسُوَّ الجِبال، هي عقيدةُ التوحيد التي جاء بها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، التي تتضمَّنُ أن الضرَّ لا يكشِفُه سوى الخالقِ، وأن البأساء لا يدفَعُها إلا البارئُ القادِرُ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62].
أخرج ابنُ أبي حاتم وغيرُه: أن مالك الأشجعيّ جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أُسِرَ ابني عوفٌ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرسِل إليه بأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرك أن تُكثِرَ من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله». فأتاه الرسولُ، فأخبرَ عوفًا بذلك، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكانوا - أي: الأعداء - قد شدُّوه بالقدِّ، فسقط القدُّ عنه فخرَج، فإذا هو بناقةٍ لهم فركِبَها فأقبَلَ، فإذا هو بسَرحِ القوم الذين كانوا شدُّوه، فصاحَ بهم، فأتبعَ آخرُها أولَها، فلم يفجِع أبوَيْه إلا وهو يُنادِي بالباب. فقال أبوه: عوفٌ وربِّ الكعبة. فقالت أمُّه: عوفٌ كئيبٌ يألَمُ لما فيه من القدِّ. فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه فإذا عوفٌ قد ملأَ الفِناءَ إبِلاً، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبل، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرَه بخبر عوفٍ وخبر الإبل. فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصنَع بها ما أحببتَ كما كنتَ صانِعًا بإبِلك»، ثم نزل قولُه - جل وعلا -: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
فيا تُرى من يقِفُ عند هذه القصة من أبناء المُسلمين عند الشدائد والكُروب؟!
يا أمة سيد الثَّقَلَيْن:
ما لكم عن طوق النجاة غافِلون؟ وعن سبيل الفرَج لاهُون؟ أنِيبُوا إلى العزيز الغالِبِ عند حدوث الحادِثات، وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء: 76].
تضرَّعوا إلى المولَى - جل وعلا - عند نُزول المُلِمَّات، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 87، 88].
بالدعاءِ الصادق، بالتوجُّه إلى الله - جل وعلا - تحصُل السّعة بعد الضيق، والعافيةُ بعد البلاء، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 83، 84].
أفلا نستجيبُ إلى ربِّنا كما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ؟! ففي الحديث الصحيح: «اللهم رحمتَك أرجُو فلا تكِلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلِح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت».
فمن أحسنَ الظنَّ بربِّه مُلتجِئًا إليه فرَّجَ عن الكُرُبات، وأزاحَ عنه المُلِمَّات، وسهَّلَ له الصعوبات. في الحديث القُدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظُنَّ بي خيرًا».
وصدقَ من قال:
وإني لأرجُو اللهَ حتى كأنَّني أرَى بجميل الظنِّ ما اللهُ صانِعُ
يا أمة الإسلام:
يا من أحاطَت بها الكُرُبات من كل جانبٍ! توجَّهُوا إلى الله وحدَه، وارجُوه - جل وعلا -، تضرَّعوا إليه، اطلُبوه - عز وجل -، حقِّقُوا دُعاءَ المسألة ودُعاءَ الطلب بصدقٍ وإخلاصٍ ويقينٍ تتحقَّقُ لكم عِزَّتُكم وأمنُكم وفلاحُكم وصلاحُكم، وإلا فمن رجَا غيرَ الله خابَ، ومن لاذَ بجنابِ غيره وُكِلَ إلى سرابٍ، وواقعُ الأمة عبرَ تأريخها أكبرُ شاهدٍ. قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه».
يقول أبو يزيدٍ البِسطاميُّ: "عِشتُ مع الناس أربعين سنةً فوجدتُّهم أمواتًا غيرَ أحياء وما يشعُرون أيَّان يُبعَثون، فكبَّرتُ عليهم أربعَ تكبيراتٍ، ونفضْتُ يدِي منهم، وجدتهم لا يقطَعون ولا يصِلون، لا يُميتون ولا يُحيُون، لا يُقرِّبون ولا يُبعِدون، لا يُعِزُّون ولا يُذِلُّون، لا ينفعون ولا يضُرُّون". ثم قال مُتمثِّلاً:
لا تسألَنَّ بُنَيَّ آدم حاجةً وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجَبُ
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سُؤالَهُ وترى ابنَ آدم حين يُسألُ يغضبُ
فيا تُرى هل يكونُ واقعُ الأمة حُكَّامًا ومحكومين أن يُراجِعوا أنفُسَهم وأن يُغيِّرُوا الحالَ عن الحالِ السابقةِ من التعلُّق بغير الله - جل وعلا - يمينًا ويسارًا، شرقًا وغربًا؟!
نعم، المُسلِمون لا تنقشِعُ عنهم مُلِمَّةٌ إلا بالتضرُّع الصادقِ إلى العزيز القدير، لا تُكشَفُ عنهم غُمَّةٌ إلا إذا أطاعُوا اللهَ مُخلِصين، وانقطَعوا إلى جنابِه، فهو على كل شيءٍ قديرٌ.
جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إلا ما تدعُو؟ قال: «أدعُو إلى الله وحده الذي إن مسَّك ضرٌّ فدعوتَه كشفَ عنك، والذي إن ضللتَ بأرضٍ قَفرٍ فدعوتَه ردَّ عليك، والذي إن أصابَتك سنةٌ فدعوتَه أنبتَ لك».
وصدق من قال:
وصبرًا جميلاً ما أقربَ الفرَجًا من راقبَ اللهَ ذي الأمر نجَا
من صدقَ اللهَ لم ينَلْهُ أذى ومن رجاهُ يكونُ حيثُ رجَا
أيها المسلم:
إن أصابَكَ مرضٌ فالتجِئ إلى الله الشافي الكافِي، وإن أصابَتك فاقةٌ فتوجَّه إلى الله الغنيِّ الكافِي.
عن عُبيد بن أبي صالحٍ قال: دخلَ عليَّ طاوسٌ يعُودُني، فقلتُ له: ادعُ اللهَ لي يا أبا عبد الرحمن. فقال: ادعُ لنفسِك؛ فإنه يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه.
وقال وهبُ بن مُنبِّه: "قرأتُ في الكتاب الأول: أن اللهَ - جل وعلا - يقول: بعِزَّتي إنه من اعتصنمَ بي فإن كادَته السماوات بمن فيهنَّ والأرضون بمن فيهنَّ فإني أجعلُ له من بين ذلك مخرَجًا، ومن لم يعتصِم بي فإني أخسِفُ به من تحت قدمَيْه الأرض، فأجعلُه في الهواء، فأكِلُه إلى نفسه".
يا شُعوبَ المُسلمين! إنكم تُعانُون وتُعانُون، فالتجِؤوا إلى الله - جل وعلا -.
ذكرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية أثرًا إلهيًّا: "لا تُشغِلوا أنفُسكم بسبِّ المُلوك، أطيعُوني أُعطِّفهم عليكم".
يا من يُعاني من المصائب! الجَأ إلى الله بصدقٍ وإخلاصٍ. يا من أصابَته الضرَّاءُ! ابتهِل إلى العزيز القهَّار، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].
ذكرَ الحافظُ ابنُ عساكرٍ عن رجلٍ قال: "كنتُ أُكارِي على بغلٍ لي من دمشق إلى بلد الزَّبَداني، فركِبَ معي ذات مرةٍ رجلٌ، فمرَرنا على بعض الطريق غير مسلُوكةٍ، فقال لي: خُذ في هذه فإنها أقرب، فقلتُ له: لا خبرةَ لي فيها، فقال: بل هي أقربُ، فسلَكناها فانتهينا إلى مكانٍ وعرٍ ووادٍ عميقةٍ وفيه قتلًى كُثُر. فقال لي: أمسِك رأسَ البغل حتى أنزِل، فنزلَ وتشمَّر وجمعَ عليه ثيابَه، وسلَّ سكينًا معه وقصدَني، ففررتُ من بين يديه، وتبِعَني فناشدتُّه اللهَ وقلتُ: خُذ البغلَ بما عليه، فقال: هو لي، إنما أُريدُ قتلَك. فخوَّفتُه اللهَ والعقوبةَ فلم يقبَل، فاستسلَمتُ بين يديه، وقلتُ: إن رأيتَ أن تترُكني حتى أُصلِّيَ ركعتين؟ فقال: عجِّل. فقمتُ أُصلِّي، فأُرتِجَ عليَّ في القراءة فلم يحضُرني منه حرفٌ واحدٌ، فبقيتُ واقِفًا مُتحيِّرًا، وهو يقول: هِيه ابرُك. فأجرى اللهُ على لساني قولَه - جل وعلا -: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: 62].
فإذا أنا بفارسٍ قد أقبلَ من فم الوادي وبيده حربةٌ، فرمَى بها الرَّجُلَ فما أخطأَت فؤادَه فخرَّ صريعًا، فتعلَّقتُ بالفارسِ وقلتُ: باللهِ من أنت؟ فقال: أنا رسولُ الذي يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه ويكشِفُ السُّوءَ. قال: فأخذتُ البغلَ والحملَ ورجعتُ سالِمًا".
أيها المسلمون:
بالتوجُّه الصادق إلى الله - جل وعلا - يحصُل الفرَجُ بعد الشدَّة، ويحُلُّ اليُسرُ بعد العُسر، وإذا أوقدَت المكارِه، وأرسَت الخُطوب، وانقطعَت الحِيَل بالأرِيب؛ أتى اللُّطفُ من اللطيف المُستجيب.
فافرَحوا - أيها المسلمون -، وتيقَّنوا بمُناجاة الله وبدُعائه، وتحقيق التوحيد الخالص، والعمل الصالح، والنيَّة الصادقة؛ تُفلِحُ الأمة، وتقوَى شكوتُها، ويشتدُّ جانِبُها، مهما أحاطَ بها من خُطوبٍ وكُروبٍ.
وكلُّ الحادِثات وإن تناهَت فموصولٌ بها فرَجٌ قريب

ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتَى ذرعًا، وعند الله فيها المخرَجُ
ضاقَت فلما استحكمَت حلقاتُها فُرِجَت وكنتُ أظنُّها لا تُفرَجُ
فيا أمة الإسلام:
يا من أصابَهم الضرَّاء والبلواء! لا تقنَطوا من رحمة الله، لا تيأسُوا من روح الله، فمهما وقع بكم فاعلَموا أن لكم ربًّا عظيمًا، وإلهًا قادِرًا، كلَّ يومٍ هو في شأنٍ، يُزيلُ الكُرُبات، ويُفرِّجُ المُلِمَّات، حتى عن المُشرِكين إذا أخلَصوا، ألم يقُل اللهُ - جل وعلا -: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65].
فكيف بمن أسلمَ! فكيف بمن أُوذِيَ وهو مؤمن وتوجَّهَ إلى الله سرًّا وجهرًا، شدَّةً ورخاءً؟! فالشأنُ الأعظمُ هو الإخلاصُ، والتوجُّهُ الصادقُ إليه، يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87].
وما حصلَ من قريبٍ لكثيرٍ من المُسلمين خيرُ شاهدٍ، واللهُ - جل وعلا - هو القادر على كل شيءٍ.
يا مَن يُعاني من ظُلم الظالمين، وعُتوِّ الطغاة والجبَّارين! لا تيأسُوا من النصرِ؛ فالنصرُ عند الله للمؤمنين وعدٌ غيرُ مكذوبٍ.
ذُكِر أن عجوزًا في عهد ابنِ الفُرات اعتدَى على بُستانٍ لها وأخذَه ابنُ الفُرات، فقالت له: اتَّقِ اللهَ فالدارُ داري، والله لأدعُونَّ عليك. فقال مُستهزِئًا: انتظري الثُّلُثَ الأخيرَ. فانتظرَت الثُّلُثَ الأخيرَ وهي تدعُو، فجاء الخليفةُ وغضِبَ وأخذَ ابنَ الفُرات، وجلَدَه وقطعَ يدَه وعلَّقَها عند باب الخِلافة. ومرَّت عليه وإذا هو يُجلَدُ في الظَّهيرة، فقالت: جزاك اللهُ خيرًا على نصيحتِك بثُلُث الليل الأخير، ثم قالت:
إذا جارَ الوزيرُ وكاتِباهُ وقاضِ الأرض أجحفَ في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضِي الأرض من قاضِي السماءِ
وصدقَ من قال:
لطائِفُ الله وإن طالَ المَدى كلَمحة الطَّرفِ إذا الطَّرْفُ بدَا
بارك الله لي ولكم فيما سمِعنا وعلِمنا، إنه على كل شيء قدير، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
خُذوا من الأسباب المشروعة الحِسِّيَّة والمعنويَّة ما يُفرِّجُ الكُرَب، ويُذهِبُ الهمَّ، وينصُر على الأعداء، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «عبادَ الله تداوَوا، لا تتداوَوا بحرامٍ».
ولكنَّ الشأن كلّ الشأن في تحقيق التقوى والإنابةِ إلى المولَى، والتوكُّل على البارِي - جل وعلا -، والتعرُّف عليه في الشدَّة والرخاء، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
فمتى قوَّت الأمةُ إيمانَها بالله - عزَّ شأنُه -، ووثَّقَت الصِّلةَ به - سبحانه - في كل شأنٍ، في جميع الأمور صغيرِها وكبيرِها، وحسُنَ ظنُّها بربِّها كشفَ عنها الضرَّاءَ، وأبدلَ شِدَّتَها رخاءً، وهمَّها فرجًا، وعُسرَها يُسرًا.
هي الأيامُ والغِيَرُ وأمرُ الله يُنتظَرُ
أتيأسُ أن ترى فرَجًا فأين اللهُ والقدرُ؟
يا أيها الأمة:
أين الله والقدَر؟ فقدرُكم أنكم مربوطون بالقُرآن، مربوطون بسُنَّة سيد ولد عدنان، فما ابتعدتُّم عنهما أصابَكم الذلُّ، وأصابَتكم الكُروبُ والخُطوبُ مهما تعلَّقتُم بأيِّ قوَّةٍ من قُوى البشر.
إن المُؤمنَ متى استبطَأَ الفرَجَ وأيِسَ منه بعد كثرة دُعائِه وتضرُّعه، ولم يظهَر عليه أثرُ الإجابة؛ فإن الواجبَ أن يرجِعَ على نفسه باللائِمة، وأن يقول لها: إنما أُوتيتُ من قِبَلِك، ولو كان فيكي خيرًا لأُجِبتِ من الله - جل وعلا -.
قال ابنُ رجب: "وهذا اللومُ حينئذٍ أحبُّ إلى الله من كثيرٍ من الطاعات؛ فإنه يُوجِبُ انكِسارَ العبد لمولاه، واعتِرافَه له بأنه أهلٌ لما نزلَ به من البلاء، وأنه ليس بأهلٍ لإجابةِ الدُّعاء، فلذلك تُسرِعُ إليه حينئذٍ إجابةُ الدعاء، وتفريجُ الكُرَب؛ فإنه تعالى عند المُنكسِرة قلوبُهم من أجلِه، مُجيبًا سميعًا".
تعذَّرَ على جيش المُسلمين حين فتح كابُل الفتحَ، فدعا قائدُ الجيش: يا حيُّ يا قيُّوم - بصوتٍ مُرتفعٍ -، فارتجَّ الجيشُ بذلك صادقًا ومُخلِصًا، داعِيًا إلى الله سرًّا وجهرًا، ففُتِحَ على المُسلمين ما أرادوا، وأصبحَت بلادًا إسلاميَّةً بحمد الله.
ثم إن الله - جل وعلا - أمَرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على سيِّدنا ونبيِّنا محمدٍ، اللهم ارضَ عن الصحابةِ أجمعين، وعن الآل ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المسلمين، اللهم فرِّج هُمومَنا وهمومَ المُسلمين، اللهم ارفَع الضرَّاءَ عن المُؤمنين، اللهم حقِّق لهم الأمنَ والرخاءَ والاستِقرارَ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اكشِف ما أصابَهم من غُمَّةٍ، اللهم اكشِف ما أصابَ المُسلمين من غُمَّةٍ.
اللهم اجمَع كلمةَ المُسلمين في مصر على التقوى، اللهم فرِّج عن المُسلمين في سُوريا، وفي فلسطين، وفي أفغانستان، وفي كل مكانٍ يا حي يا قيوم، اللهم هيِّئ للمُسلمين في لِيبيا أمرًا رشيدًا، اللهم احفَظ المُسلمين في اليمن، اللهم احفَظهم وأصلِح أمورَهم يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح أمرَ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين، اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين من مكر الأعداء، اللهم احفَظ المُسلمين من مكر الأعداء، اللهم احفَظ المُسلمين من مُخطَّطات الكفَّار والفُجَّار يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أقِم بلادَ المُسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وعلى الطاعة والتقوى يا حي يا قيوم.
اللهم حبِّب إليهم التحاكُم إلى كتابك واتباع سنةِ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، اللهم اجعَله عامَ رخاءٍ علينا وعلى المُسلمين.
اللهم احفَظ بلاد الحرمين، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّ وترضَى، اللهم ألبِسه لباسَ الصحة والعافية، اللهم وفِّقه ونائِبَه لما تحبُّه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم لا تجعل للكفار عليهم يدًا ولا نعمة، اللهم لا تجعل للكفار على المُسلمين يدًا ولا نعمة يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-15-2012, 11:05 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

رسالة إلى عقلاء الأمة
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة yvm wtv 1434 iJ بعنوان: "رسالة إلى عقلاء الأمة"، والتي تحدَّث فيها عن الاجتماع والائتلاف، وذمِّ الفُرقة والاختلاف، وبيَّن أن وحدة الصفِّ وتماسُك المُجتمع فيه الصلاحُ والفلاحُ في الدارَيْن، ووجَّه رسالةً إلى عُقلاء الأمة؛ من حُكَّام وعلماء ومُثقَّفين ومُفكِّرين بضرورة جمع الكلمةِ، والدفع بالأمةِ نحو الاستِقرار.

الخطبة الأولى
الحمد لله وليِّ الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه سيدُ الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وصحبِهِ أجمعين.
أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102]؛ فمن اتَّقى الله وقاه من كلِّ شرٍّ ومن كل ضائِقةٍ، وجعلَ له مخرجًا.
أيها المسلمون:
يتفقُ العُقلاءُ على أن الاجتماع والائتلافَ مطلبٌ ضروريٌّ، لا غِنى عنه لأمةٍ تريدُ الفلاحَ وتبغِي الصلاحَ، ومن هنا جاء الإسلامُ بالتأكيد على وحدة الصفِّ الإسلاميِّ، ورعاية التعاوُن على الخير والاتفاق والتآخي على جلبِ المنافعِ ودرءِ المفاسِدِ.
ألا وإن ما تُعانيه الأمةُ اليوم بسببِ الأحداث الأخيرة التي لا تخفَى، كلُّ ذلك يتوجَّبُ على كل مسلمٍ مهما كانت مرتبتُه، وتنوَّعَت ثقافتُه أن يتَّقِي اللهَ - جل وعلا -، وأن تكون توجُّهاتُه مُنطلقةً من مبدأ ما يُجمِّعُ ولا يُفرِّقُ، وما يُؤلِّفُ ولا يُشتِّتُ، مهما وجدَ لذلك سبيلاً.
فالله - جل وعلا - يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103].
إنه في ظلِّ حركات التغيير العاصِفةِ بالأمةِ اليوم فإنه يجبُ على أهل الحلِّ والعقدِ أن يرحَموا أمَّتَهم وشعوبَهم وبُلدانَهم من شقاء التفرُّق والتحزُّب، ومن الاختلافِ والتشرذُم؛ فالسعادةُ في اجتِماع الكلمةِ، والصلاحُ في وحدة الصفِّ، والرخاءُ في تماسُك المُجتمع المُسلم.
الله - جل وعلا - يقول: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118، 119].
قال السلفُ في فهم هذه الآية: "فأهلُ الرحمةِ لا يختلِفون اختلافًا يضُرُّهم، وإلا فمتى قادَ الاختلافُ إلى التحزُّبِ والتنابُذ فهذا سببٌ لطرد المُختلفين عن رحمة الله دُنيا وأُخرى".
الاختلافُ لا يكونُ في الإسلام سببًا للتفرُّق، ولا سبيلاً للعداوة. الاختلافُ لا يكونُ في الإسلام سببًا لتهديد الوَحدة ولا شلِّ حركة المُجتمع والحياة؛ بل الاختلافُ - عند الضرورة إليه - ظاهرةٌ صحيَّةٌ يجبُ أن يقودَ إلى البحث عن كل وسيلةٍ لترجيحِ الآراء فيما يجلبُ المصالحَ ويدرأُ المفاسِدَ، فبذلك يتحقَّقُ رِضا الله - جل وعلا - على المُجتمع؛ لأنه يحصُلُ بذلك الأُلفة والاجتماعُ، وتُنبَذُ الفُرقةُ والنِّزاعُ.
قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللهَ يرضَى لكم ثلاثًا ..»، وذكرَ منها: «.. وأن تعتصِموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقُوا»؛ رواه مسلم.
البركةُ في بُلدان المُسلمين، وظهورُ الخيرات في مُجتمعاتهم لا يحصُل إلا بالتنازُل عن الآراء للاجتماع والاتِّحاد، وصدقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رُوِي عنه -: «البركةُ في ثلاثة ..»، وذكرَ منها: «.. الجماعة».
فيا معاشر المُسلمين:
إياكم والتفرُّقَ والخِصامَ، واحذَروا التحزُّبَ وعدمَ الوِئام؛ فربُّنا - جل وعلا - يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46].
وفي منظومةِ عقائد المُسلمين: أن الجماعةَ حقٌّ وصوابٌ، والفُرقةَ زيغٌ وعذابٌ.
فيا مَن تجتهِدون لمصالحِ الأمةِ باجتِهادٍ ترونَه صوابًا! حمِدَ اللهُ صنيعَكم، ولكن حينَما يُخالِفُ رأيُكم الجماعةَ فاعلَموا أن مصالحَ الوَحدة ومنافعَ الاجتِماع تفوقُ بأضعافٍ المفاسِدَ التي تنشأُ عن الافتِراقِ والاختِلافِ والشُّذوذِ والتمسُّك بالآراء.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وقد عاصرَ الاختلافَ والافتراقَ في الأمة -: "وإذا تفرَّقَ القومُ فسَدوا وهلَكوا، وإذا اجتَمعوا صلَحوا وملَكوا؛ فإن الجماعةَ رحمةٌ، والفُرقةَ عذابٌ".
فيا أهلَنا في مصرَنا العزيزة، ويا أحبابَنا في فلسطين، وفي تونس، وفي ليبيا، وفي اليمن، وفي جميع بُلدان المُسلمين التي أصابَها القلاقِل، وأحاطَت بها الفتن: عُودوا إلى وَحدة الصفِّ واجتِماع الكلمة، احذَروا التفرُّقَ بكل أشكاله، والتنازُع بشتَّى صُوره، تصافَوا وتحاوَروا، افتَحوا جُسور التواصُل لحلِّ كل مشكلةٍ تُوجِبُ التنازُع؛ فالإسلامُ جعل الشُّورَى مبدأً من المبادئِ التي تصلُحُ بها حياةُ الجماعة، وجعل أسلوبَ الحوار سببًا للوُصول للنتائج الطيبة.
فمع السعيِ والإرادة الحسنةِ والمقاصِد الطيبةِ يجمعُ اللهُ الشَّتاتَ، ويُؤلِّفُ القلوبَ.
اسلُكوا الأساليبَ الجميلةَ في الإقناع والمُحاورة، تمثَّلوا وأنتم تُدلُون بآرائكم أنكم من تلامِذة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الذي أضاءَت وصلُحَت واستنارَت بمسالِكِه وبسُنَّته الدُّنيا.
الله - جل وعلا - يقول لكم: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53]؛ أي: أن يقولوا كلَّ كلمةٍ طيبةٍ. ثم قال الله - جل وعلا - في تعليلِ ذلك: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء: 53].
الواجبُ على الإعلام المُسلم: السعيُ بما يُطفِئُ الفتن، ويُجنِّبُ إغارةَ الصدور، والبُعد عما يُسبِّبُ العداوةَ والبغضاءَ بين أبناء أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا خيرَ في الجدل الباطل، ولا نفعَ في اللَّغَطِ واللَّغوِ والتحاليلَ التي لا تُبنَى على براهين عقليَّة، ولا نُقولٍ صحيحةٍ، ولا أدلةٍ شرعيَّةٍ.
فكفَى الأمةَ ما أصابَها من تفرُّقٍ ونِزاعٍ وشَتاتٍ جلبَ لها العارَ، وولَّدَ لها الدمارَ.
ولنعلَم أنه لا معصومَ من حاكمٍ ومسؤولٍ إلا الأنبياءُ؛ فالبشرُ مُعرَّضون للجهل وللهوى وللزَّلَل، ولكن مع التشاوُر بنوايًا حسنةٍ يجعلُ الله بعد الفُرقةِ أُلفةً، وتصلُحُ الأحوالُ، وتسعَدُ المُجتمعاتُ؛ فالنقدُ الهادِفُ مطلبٌ حضاريٌّ، والبيانُ الناصحُ ضرورةٌ دينيَّةٌ، وعلى أمةِ الإسلام أن تستلهِمَ من مبادئ دينِها ونُصوص شريعتِها ما ينشُرُ بين أبنائِها من ثقافة الإصلاح، ثقافة احتِرام الأكابِر من حُكَّامٍ وعُلماء ووُجهاء.
قال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ - وهو من مدرسة الصحابة -: "ليس من شريفٍ ولا عالِمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيبٌ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكَر عيوبُه؛ فمن كان فضلُه أكثرَ من نقصِه وُثِبَ نقصُه لفضلِه".
والحذَر - أيها المُسلمون - من أن تُهدَر مكانةُ من رضِيَه المُسلِمون للزَّعامة؛ فذلك مما يفتحُ شرًّا عظيمًا، ويُولِّدُ فسادًا عريضًا، وما أعظمَها عند الله - أيها المُسلِمون -، ما أقبحَها في شرعِه أن يتولَّد بين أبناء المُسلمين عند الاختِلاف في أمور الدنيا إزهاقُ الأرواح، وكثرةُ الجِراح، وإفسادُ الأموال والُقدَّرات.
أليس لكم قرآنٌ يحكُم مسالِكَكم؟! أليس لكم نبيٌّ عظيمٌ بيَّن لكم كلَّما تصلُحُ به أحوالُكم في الدنيا والآخرة؟!
فتلك المسالِكُ التي تخرجُ عن سبيل الوحيَيْن مسالِكُ شيطانية، وسُبُلٌ عدوانيةٌ، لا يُقِرُّها شرعٌ مُطهَّرٌ، ولا تتماشَى مع حضارةٍ فاضلةٍ، ومُجتمعاتٍ راقِيةٍ.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ»؛ فما بالُ أبناء الأمةِ من هذه التوجيهات العظيمة؟!
يا أبناء الإسلام:
حينما يشيعُ نزاعٌ تبدأُ منه بوادِرُ الافتِراق؛ فعلى العُقلاء من الحُكَّام والعلماء والمُثقَّفين والمُفكِّرين أن يسعَوا بكل وسيلةٍ للإصلاح رأبِ الصَّدع، وتذكَّروا واجِبَكم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10].
فما الذي يجعلُ المُسلمين أمامَ العالَم مُتفرِّقين ومُتنازِعين، وقد فُرِضَ عليهم في دينهم فرضًا جازِمًا أن يتوحَّدوا على الوحيَيْن، وأن تجمعُهم سُنَّةُ سيد الثَّقَلَيْن - عليه أفضلُ الصلوات والتسليم -.
إخوة الإسلام:
من مبادئ الشرعيةِ: الدعوةُ لسماعِ وجهةِ الآخر، والاختِلافُ في رأيٍ لا يُفسِدُ في قانون الشريعة مبدأَ الاجتِماع والاتِّحاد، وألا فهل يعلمُ العالَم أن أولَ من سبقَ إلى التأليف في فقهِ الاختِلاف وأدبِ الجدلِ والمُناظرة هم علماءُ الإسلام؟! بل وألَّفُوا في آداب الاختلافِ ما أبهَرَ العقولَ البشريَّةَ جمعاء.
فيا أبناء الإسلام:
لم يكن العُنفُ بأشكاله المُتعدِّدة القولية والفعلية سبيلاً لإدارة حِوارٍ، أو طريقًا لإنهاء اختِلافٍ؛ فأساليبُ الفُحش والدَّهاء والتآمُر لا تُولِّدُ إلا شرًّا ودمارًا وفسادًا لا يُقِرُّه الإسلامُ البَتَّة.

معاشر المُسلمين:
إن أيَّ مُجتمعٍ إسلاميٍّ لا بُدَّ أن يقعَ له من الأزَمات والصُّعوبات ما يستوجِبُ اختلافَ وجهات النظر، ولكن عندما يحلُّ الانفِعال والتعصُّب محلَّ العقلِ الراجحِ؛ فإن أيَّ حوارٍ حينئذٍ سيسيرُ به الهوى إل تهاتُرٍ وسِبابٍ، وتراشُقٍ بالشِّعارات، وانتِصارٍ للاتِّجاهات، فحينئذٍ تقعُ داهِيةُ التفرُّق والتنافُر، فتنطلقُ وقتَها حملاتُ التشهير والافتراق؛ فيُصبِحُ الخِلافُ في الرأي حينئذٍ انشِقاقًا مذمومًا في الإسلام، يستحِلُّ حينئذٍ معه الحوارُ البنَّاءُ المُثمِرُ صلاحًا وإصلاحًا.
فأين أهلُ الإسلام من توجيهاتِ القُرآن؟! فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].
فيا تُرى متى يستلهِمُ المُسلِمون - على شتَّى مُستوياتهم - الآدابَ الإسلاميَّةَ؟ فتكونُ اختِلافاتُهم تُدارُ بنفوسٍ مُطمئنَّةٍ مُخلِصةٍ، تُدلِي بآرائها وفقَ أرضٍ منطقيٍّ يستنِدُ إلى البراهين، مُستمِعةً لرأي الآخر علَّهُ يجِدُ تصحيحًا لرأيِه بما يحصُلُ معه الخيرُ للجميع.
يقول الشافعيُّ - رحمه الله -: "ما ناظرتُ أحدًا - أي: ما جادَلتُ أحدًا - إلا سألتُ اللهَ - جل وعلا - أن يجعلَ الصوابَ على لسانه".
فأين هذا ممن ينطلقُ - بادِئَ ذي بدءٍ - على أن المُخالِفَ هو عدوُّه الألدُّ، وخصمُه المُبطِل؟!
فيا أيها المسلمون:
برهِنوا للعالَم بمسالِكِكم أنه لا يستقيمُ غِلظَةٌ وشِدَّةٌ وعُنفٌ مع المُخالِفِ في الرأي في مبادئ الإسلام وتشريعاته، وإلا فقد جنيتُم على الإسلام، والويلُ لكم حينئذٍ!
الإسلامُ جاء بالرِّفقِ في القول والفعلِ؛ فهو قاعدةٌ كُبرى في الدين. العدلُ والإنصافُ أصلٌ من الأصول العُظمى، الأدبُ واللِّينُ والتواضُع مبدأٌ من المبادئ الكُبرى في الإسلام؛ فمع نيَّةٍ صادقةٍ، وإخلاصٍ باطنٍ، وتحقيقٍ لمبدأ الشُّورى وفقَ مُناقشاتٍ منطقيَّةٍ، وحواراتٍ بنَّاءةٍ، وقُدرةٍ على اختِيار البديل من الآراء المطروحة يصِلُ أهلُ الإسلام إلى ما فيه الخيرُ لبُلدانهم وأهلِهم وشُعوبهم.
وحينئذٍ بعد ذلك؛ فعلى المُجتمع التسليمُ بقرارات ذوي الحلِّ والعقدِ استِجابةً لقول المولَى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: 159].
ولنعلَم أن الأجرَ يعظُم والمكانةَ ترتفعُ حينما تكونُ - أيها المسلم - سببًا لجمع الكلمة، وتوحيد الصفِّ.
ألا يتذكَّر المُسلِمون عام الجماعة؟ حينما تنازلَ الحسنُ - وهو سيدُ شباب أهل الجنة - لمُعاوية - رضي الله عنه -، فسُمِّي عام الجماعة، سعِدَ الناسُ وحصُل لهم الرَّغَدُ والاستِقرارُ.
وليتذكَّروا أن القدسَ ما استُرِدَّ من احتلال الصليبيين إلا حينما وحَّد صلاحُ الدين مصر مع الشام، وما حصَلَت النُّصرةُ للمُسلمين - بعد إذن الله - جل وعلا - إلا حينما توحَّدَت الموصِلُ وحلبُ في عهد عماد الدين زَنكي، وحينما توحَّد جميعُ الشام في عهد نور الدين محمود؛ فالتأريخُ أكبر عِبرة، وأعظمُ واعِظ.
إخوة الإسلام:
إن تخلُّصَ المُسلمين من شبَح الاستِبدادِ والقمعِ على السبيل السياسيِّ، وإن نجاتَها من المُستوى المُنحَطِّ اقتصاديًّا، وإن خلاصَها من انتِشار التحلُّل والفساد الأخلاقيِّ اجتماعيًّا، كلُّ ذلك لا يكونُ إلا حينما تتَّحِدُ كلمتُها على التعاوُن المُهمِل المُنطلِق من الوحي الإلهي، والتعليم النبوي، وحينما يجتمعُ صفُّها على المُشاركة البنَّاءة في سبيل الإصلاح الشامل لكلِّ ما يُحقِّقُ لها الرَّخاءَ والاستِقرارَ والأمنَ والاطمئنان، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2].
بارك الله لي ولكم فيما سمِعنا، أقول هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أحمدُ ربي وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه.
أيها المسلمون:
إننا في بلاد الحرمين - بحمد الله - في ظلِّ بناءِ هذه البلادِ على التوحيد وتحكيم الإسلام، نعيشُ في أمنٍ وأمانٍ واستِقرارٍ ووَحدة صفٍّ واجتِماعِ كلمةٍ.
فعلى أهل هذه البلاد أن يتَّقُوا اللهَ - جل وعلا -، وأن يُحافِظوا على هذه النِّعَم التي لا يعرِفُ كبيرَ قدرها إلا من اكتوَى بفقدِها. احرِصوا على بلادِكم؛ فهي بلادُ جميع المُسلمين الذين يفِدون للحرمين الشريفين. إياكم ودُعاةَ التفرُّق والُنادِين بالتحزُّب. على كل مسؤولٍ من أميرٍ أو وزيرٍ أو مُديرٍ أن يتَّقِي اللهَ - جل وعلا -، وأن يعلمَ أنه نائبٌ عن وليِّ الأمر - وهي أمانةٌ عظيمةٌ -، فليُعطِ لجميع المُجتمع حظَّه من العناية والاهتِمام، وليحرِص على أن يصِلَ كلٌّ إلى حقِّه.
وعلى هؤلاء المسؤولين - المُلقاة عليهم المسؤولية من لله - جل وعلا - أولاً، ثم من وليِّ الأمر ثانيًا، ثم من المُجتمع ثالثًا - أن يتَّقُوا اللهَ، وأن يُظهِروا للمُجتمع الصورةَ المُشرِقةَ التي أرادها وليُّ الأمر منهم؛ من خدمةِ كلِّ مواطنٍ ومُقيمٍ، وأن يُؤدُّوا الأمانةَ حقَّ أدائِها، وأن يجتهِدوا لجمع الكلمة، وأن يحرِصوا على أن لا يكونوا بعملهم وتفريطِهم في مسؤولياتهم سببًا للشيطان بإغواء شبابنا.
فلقد حرِصَ خادمُ الحرمين الشريفين في كلِّ مواقفِهِ على أبنائِه المُواطنين ورِعاية مصالِحهم، وتفقُّد أحوالهم، وسدِّ حاجاتهم. وذلك واجبٌ دينيٌّ.
فمن ضيَّع هذه المقاصِد من وزيرٍ مُولَّى، أو مسؤولٍ مُعيَّنٍ؛ فقد سعَى في أسباب الفتن، وكان نذيرَ شرٍّ، وداعيةَ فسادٍ ينبغي مُساءلتُه، وتطبيقُ ما يستحقُّ في شرع الله بسبب خيانتِه وتفريطِه.
فبلادُنا غاليةٌ، ووَحدة صفِّها واجتِماعُ كلمةِ أبنائِها مقصِدٌ عظيمٌ وهدفٌ كبيرٌ. فعلينا أن نُحقِّقَ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه».
يا حُكَّام المُسلمين:
اتَّقوا اللهَ - جل وعلا - في شُعوبِكم، تفقَّدوا أحوالَهم، راعُوا مصالِحَهم، اغنُوهم عن العوَز والحاجة والفقر، رافُقوا بهم، لِينُوا لهم، وَلُّوا عليهم أهلَ الصلاح والتَّقوَى، احذَروا بِطانةَ السُّوء - يا حُكَّامَ المُسلمين -؛ فهم سببُ كل خرابٍ ودمارٍ، وشواهِدُ التأريخ أكبرُ عِبرةٍ.
اجمَعوا - أيها الحُكَّام - كلمةَ المُسلمين، ولا تُفرِّقُوا بين وَحدة الصفِّ، لا تكونوا سببًا للتفرُّق والاختِلاف، ليكُن القضاءُ على البَطالة همَّكم الأكبر، وشُغلَكم الأعظم بعد الحِفا على الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكَر؛ فالبَطالةُ مهلَكةُ الشعوب، وسببُ الفتن والثورات والقلاقِل والفتن.
سدَّد الله خُطاكم على الخير، ووفَّقَكم للبرِّ والتقوى.
أيها المُسلمون:
إن الله - جل وعلا - أمَرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على نبيِّنا ورسولِنا وحبيبِنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعين، وعن الآل ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم اجمَع كلمتَهم، اللهم اجمَع كلمتَهم، اللهم وحِّد صفَّهم، اللهم وحِّد صفَّهم.
اللهم اجمَع كلمةَ المُسلمين في مصر، اللهم اجمَع كلمةَ المُسلمين في فلسطين، اللهم اجمَع كلمةَ المُسلمين في ليبيا، وفي تونس، وفي اليمن، وفي سائر بُلدان المُسلمين.
اللهم فرِّج هُمومَ إخواننا في سُوريا، اللهم اجعل لهم من كلِّ ضيقٍ مخرَجًا، ومن كلِّ همٍّ فرَجًا، اللهم يا حي يا قيوم، اللهم يا ذا الجلال والإكرام نسألُك أن تكتُب السعادةَ والصلاحَ والخيرَ لجميع بُلدان المُسلمين.
اللهم اغفر للمُسلمين والمُسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّه وترضَاه، اللهم وفِّقه ونائِبَه للخير والتقوى، اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين لما فيه خيرُ رعاياهم.
اللهم وفِّق المُسلمين لكل خيرٍ في الدنيا وفي الآخرة، اللهم وفِّق المُسلمين لكل خيرٍ في الدنيا وفي الآخرة، اللهم جنِّبهم شِرارَهم، اللهم جنِّبهم شِرارَهم، اللهم لا تجعل للأشرار عليهم يدًا، اللهم لا تجعل لأهل الإجرام عليهم كلمةً ولا سُلطانًا يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-28-2012, 06:49 PM   رقم المشاركة : 7

 

المنهجُ الرشيد في إصلاح العيوب
ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة 15 / 2 / 1434هـ بعنوان: "المنهجُ الرشيد في إصلاح العيوب"، والتي تحدَّث فيها عن المنهجِ الرشيدِ في إصلاح العيوبِ والنقائصِ عند الآخرين، وبيَّنَ أن من أعظم ملامِح هذا المنهج: السِّترُ، والنُّصحُ في السرِّ وعدم الإعلانِ أو التشهير، وذكرَ أن أعظمَ سبيلٍ لعلاجِ عيوبِ الأمة هو مُدارَستُها وإصلاحُها عن طريق العلماء الربَّانيين، والمُفكِّرين الناصِحين، والمُصلِحين الصادِقين.

الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله المُنزَّه عن كلِّ نقصٍ وآفةٍ وعيبٍ، أحمده - سبحانه - وأشكرُه وهو للحمدِ أهلٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالمُ الشهادة والغيب، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهدَ في الله حتى علاهُ الشَّيْب، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاةً دائمةً تحِلُّ بها الشفاعةُ بلا رَيب.
أما بعد:
فأُوصِيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102].
"رحِمَ اللهُ امرأً أهدَى إليَّ عيوبي". كلمةٌ عظيمةٌ بها معانٍ جليلة، لا يقوَى على تحقيقِ مدلُولها إلا العُظماء أصحابُ النفوس الشامِخة، والقلوب الناصِعة، والتواضُع الصادِق، الذين تقبَّلوا عيوبَهم بقوَّةٍ وشجاعة، وواجَهوا أنفُسَهم بكل ثباتٍ، وانصرَفَت هِمَمهم إلى التفكير في إصلاح عيوبِهم، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[فصلت: 35].
وليس من شريفٍ ولا عالِمٍ ولا ذي فضلٍ إلا فيه عيب، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي[يوسف: 53].
وإذا تركَ المرءُ الغُرورَ، وترقَّى في الطاعة انكشَفَت له أسرارُ نفسه، وتبصَّرَ بعيوبه، ويزدادُ المرءُ توفيقًا إذا رُزِقَ بقرينٍ صادقٍ صدوقٍ يُبصِّرُ بالمعايِب دون تغيير، ويكشِفُ له المثالِبَ دون تشهير، وقد تنتفعُ بعدوٍّ حاقدٍ أكثر من انتفاعِك بصديقٍ مُداهِنٍ؛ فعينُ السُّخطِ تُبدِي المَساوِيَا.
قال أحدُ السلف: "أخٌ لك كلما لقِيَك ذكَّرَك بنصيبِك من الله، وأخبرَك بعيبٍ فيك أحبُّ إليك وخيرٌ لك من أخٍ وضعَ في كفِّك دينارًا".
وقال آخر: "إذا رأيتَ من أخيك عيبًا فإن كتمتَه فقد خُنتَه، وإن قُلتَه لغيره فقد اغتبتَه، وإن واجهتَه به فقد أوحشتَه". قيل له: كيف أصنَع؟ قال: "تُكنِّي عنه وتُعرِّضُ به وتجعلُه في جُملة الحديث".
قال الله تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا[الأنعام: 104].
فإذا أراد الله بعبده خيرًا بصَّرَه بعيوبِ نفسِه، ومن كمُلَت له بصيرتُه لم تخفَ عليه عيوبُه، وإذا عرفَ عيوبَه أمكنَه علاجُها.
والإعراضُ عن معرفة العيوبِ علامةُ ضعفٍ ونقصٍ، والذين يُعمُون أعيُنَهم عن مُلاحظة عيُوبهم هو اعتِقادُهم أنَّهم بلَغوا مرحلةً من الكمال، ولن يُهذِّبَ الفردُ ذاتَه، ويُنمِّيَ شخصيَّتَه، ويسُدَّ الخللَ حتى يُقِرَّ بعيوبِه التي هي آفاتٌ في المُجتمع تُعطِّلُ طاقات الأمة، وتُحطِّمُ مُنجَزاتِها، وتعوقُ مسيرتَها نحو التقدُّم.
المنهجُ الرشيدُ في إهداءِ العيوبِ يُبنَى على أدبٍ رفيعٍ؛ فالأسلوبُ الحسنُ، والكلمةُ الطيبةُ الهادِئةُ تشرحُ الصدر، واللِّينُ من غير عُنفٍ، والنصيحةُ في السرِّ، وتلميحًا لا تصريحًا أقربُ للقبول، والأدبُ في العرض، وعباراتُ الحُبِّ والثَّناءِ الشرعيِّ أبلغُ في التأثيرِ.
أما عرضُ العيوبِ في مشهَد ملأٍ وجماعةٍ فنوعُ توبيخٍ وفضيحةٍ، وتُفضِي إلى رفضِها وعدمِ قبُولِها، والأسوأُ أن تُجعلَ ذريعةً لانتِقاد الذَّوَات، وتحقيرِ مقامِهم، وتقزيمِ مكانتِهم، وهذا يُعبِّرُ عن ذاتٍ مريضةٍ ونفسٍ دنيئةٍ.
ولو كشفَ عيبَكَ ناقِدٌ أو حاقِدٌ وتجاوزَ الحدَّ في الأدب؛ فقد وضعَ يدَه عل مكانِ الداء، والأولَى أن ننصرِفَ إلى إصلاحِ حالِنا، ونترفَّع عن المعارِك الجانبيَّة أو الانتِقام، قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[الشورى: 30].
وقد تغيَّر الحالُ في زمانِنا؛ فمن أسدَى إلينا معروفًا بكشفِ عيوبِنا أبغَضناه وأبعَدناه، ومن زيَّفَ حقائِقَنا وكتمَ عيوبَنا، وأضفَى علينا جوًّا من مديحٍ مُزيَّفٍ قرَّبنَاه وأدنَينَاه.
المنهجُ الشرعيُّ في التعامُل مع عيوبِك وعيوبِ الآخرين: أن تحُوطَها بسِترِ الله كما سترَكَ وستَرَه، والله ستِّيرٌ يُحبُّ السَّترَ، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللهَ - عز وجل - حليمٌ حيِيٌّ ستِّيرٌ يُحبُّ الحياءَ والسَّترَ»؛ رواه أبو داود والنسائي.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلُّ أمتي مُعافاةٌ إلا المُجاهِرين، وإن من الإجهار: أن يعملَ العبدُ بالليل عملاً ثم يُصبِحُ قد ستَرَه ربُّه، فيقول: يا فُلان! قد عمِلتُ البارِحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يستُرُه ربُّه، فيبيتُ يستُرُه ربُّه ويُصبِحُ يكشِفُ سِترَ الله عنه»؛ رواه مسلم.
العبدُ إذا فعلَ معصيةً واسترجَعَ ستَرَه الله في الدنيا، ومن ستَرَ عيوبَه سلِمَ من ألسِنَة الناسِ وسخَطِ الله - عز وجل -.
جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إني عالَجتُ امرأةً في أقصَى المدينةِ، وإني أصبتُ منها ما دنَ أن أمسَّها، فأنا هذا فاقضِ فِيَّ ما شِئتَ. فقال له عُمرُ: لقد ستَرَكَ الله لو سترتَ نفسَك. قال: فلم يرُدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا.
فقامَ الرجلُ فانطلقَ، فأتبعَهُ النبيُّ رجلاً دعاه وتلا عليه: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[هود: 114]. فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ الله! هذا له خاصَّةً؟ قال: «بل للناسِ كافَّةً»؛ رواه مسلم.
الهديُ في التعامُل مع عيوبِ الآخرين: منعُ إعلانِها وإشهارِها، وعدمُ الإشهار يُعينُ مُرتكِبَ العيبِ على التوبةِ والإصلاح، وقد يقُودُ الافتِضاح إلى كسرِ الحواجِز، والجُرأة على المحارِم بلا رادِعٍ.
السَّترُ علاجٌ اجتِماعيٌّ تُحاصَرُ به الرَّذِيلة، وتسُودُ معه معاني الطُّهر والسلامة، وتقوَى به أواصِرُ الأُلفةِ والمحبَّة، كما يُؤسَّسُ به لمبدأٍ عظيمٍ: حُسن الظنِّ بين المُؤمنين. قال الفُضيلُ بن عِياضٍ: "إن المُؤمنَ يستُرُ وينصحُ، وإن المُنافِقَ والفاجِرَ يهتِكُ ويُعيِّرُ".
وشتَّان ما بين من يُهدِي إخوانَه عيوبَهم - كناصحٍ مُشفِقٍ، وناقدٍ بصيرٍ -، وبين من يجعلُ همَّه ومُهمَّتَه وشُغلَه ليلَه ونهارَه تصيُّدَ عيوبِ الآخرين؛ بل هذه آفةٌ عظيمةٌ تُنافِي الشَّخصيَّة السَّوِيَّة، وتنطوِي على خُبث طوِيَّةٍ، حين يُطلِقُ المرءُ للِسانِه العِنان، ويتتَبَّعُ الناسَ؛ فيهرَمُ بدَنُه، ويمرضُ قلبُه، ويضيعُ عُمرُه، وتعمَى بصيرتُه عن عيوبِ نفسِه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُبصِرُ أحدُكم القَذَاةَ في عين أخيه، وينسَى الجَذعَ - أو الجَذلَ - في عينِه مُعترِضًا».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال الرجلُ: هلَكَ الناس، فهو أهلَكُهم»؛ رواه مسلم.
منشأُ هذا المرضِ: الإعجابُ بالنفس، والكِبرُ، والشُّعورُ بالنقص، والحقارةُ في شخصِيَّتِه؛ حيث يُظهِرُ النُّصحَ ويُبطِنُ التشفِّيَ ونشرَ العَداوةِ والفُرقة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الكِبرُ بطَرُ الحق وغمْطِ الناس»؛ رواه مسلم.

وقال: «بحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المُسلِمَ».
سمِعَ أعرابيٌّ رجلاً يقعُ في الناس؛ فقال: "قد استدللتُ على عيوبِك بكثرةِ ذكرِك لعيوبِ الناس؛ لأن الطالِبَ لها يطلبُ بقدرِ ما فيه منها".
وقال أحدُ السَّلَف: "إني لأرى الشيءَ أكرَهُه، فما يمنعُني أن أتكلَّمَ فيه إلا مخافةَ أن أُبتَلَى بمثلِه".
وقال آخر: "كُنَّا نُحدَّثُ أن أكثرَ الناسِ خطايا أفرغُهم لذِكر خطايا الناس".
وقال ثالثٌ: "إذا رأيتَ الرَّجُلَ مُولَعًا بعيوبِ الناس ناسِيًا لعيبِه؛ فعلَم أنه قد مُكِرَ به".
ورُوِيَ عن بعضِهم أنه قال: "أدركتُ قومًا لم يكُن لهم عيوبٌ، فذكَرُوا عيوبَ الناس فذكرَ الناسُ لهم عيوبًا، وأدركتُ قومًا كانت لهم عيوبٌ فكَفُّوا عن عيوبِ الناسِ فنُسِيَت عيوبُهم".
وقد يتجاوَزُ أحدُهم الحدَّ إلى تتبُّع الكلامِ وسَقَطاته، والقلبِ ونيَّاتِه، فيشُقُّ الصفَّ، ويُشيعُ الرِّيبَةَ وسُوءَ الظنِّ.
تتبُّعُ العوراتِ - عباد الله - يُفسِدُ المُجتمع، وينشُرُ الحسَدَ والبغضاء، كما جاء في حديث مُعاويةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنك إن اتَّبَعتَ عوراتِ المُسلمين أفسَدتَّهم أو كِدتَّ أن تُفسِدَهم».
وعن أبي بَرْزَةَ الأسلَميِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشرَ من آمنَ بلِسانِه ولم يدخُل الإيمانُ قلبَه! لا تغتابُوا المُسلمين، ولا تتَّبِعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتَّبَع عوراتِهم يتَّبِعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبِعِ اللهُ عورتَه يفضَحْه في بيتِه»؛ رواه أبو داود.
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله المُتفرِّد بالجمال والجلال، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه في الحالِ والمآلِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبيرُ المُتعال، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه.
أما بعد:
فأُوصِيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
والأمةُ الإسلاميَّةُ كحالِ أفرادِها، لا تخلُو من عيوبٍ تُبطِّئُ نهضَتَها، وتُضعِفُ قوَّتَها، ومُدارَسةُ عيوبِها يُقوِّي شأنَها، ويرفعُ شأوَها، وهذه مهمَّةٌ سامِيةٌ، يقودُ دِفَّتَها العلماءُ الربَّانِيُّون، والمُفكِّرُون الناصِحون، والمُصلِحون الصادِقون الذين يُحاصِرون العيوبَ، ويسُدُّون الخَللَ، ويُصوِّبُون المسارَ بحكمةٍ وعلمٍ، بعيدًا عن الجِدالِ والمِراء، وجلدِ الذَّاتِ والبُكاء على الأطلال.
ومن العيبِ أن نَرُومَ إصلاحَ عيوبِ الأمة بتجريحِ الأشخاصِ، ولمزِ الهيئات، وانتقادِ المُؤسَّسات، واستِهدافِ الرُّموز، ومن العيبِ أن نعيبَ أمَّتَنا والعيبُ فينا، وما لأمَّتِنا عيبٌ سِوانا، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[الرعد: 11].
ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسولِ الهُدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركين، ودمِّر اللهم أعداءَك أعداءَ الدين، واجعَل اللهم هذا البلَدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم إنا نسألُك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، اللهم إنا نسألُك الهُدى والتُّقَى والعفافَ والغِنَى.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل اللهم الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم انصُر إخوانَنا في الشام، اللهم انصُر إخوانَنا في الشام، اللهم أيِّدهم بنصرِك وتوفيقِك يا ربَّ العالمين، اللهم كُن لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا وظهيرًا يا رب العالمين، اللهم اربِط على قلوبِهم، واجمَع كلمتَهم، ووحِّد صُفوفَهم، واجمَعهم على الحق يا ربَّ العالمين إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم انصُر الإسلامَ وأهلَه في كل مكان، اللهم انصُر الإسلامَ وأهلَه في كل مكان يا قوي يا عزيز، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم وفِّق إمامنا لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، وهيِّئ له البِطانةَ التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ يا أرحم الراحمين.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين للعمل بكتابِك، وتحكيم شرعِك يا ربَّ العالمين.
اللهم هيِّئ لهذه الأمةِ أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتِك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروفِ ويُنهَى فيه عن المُنكَر يا ربَّ العالمين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، وفُكَّ أسرانا وأسرَى المُسلمين، واغفِر لموتانا وموتى المسلمين إنك على كل شيءٍ قدير، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:17 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir