يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-09-2012, 01:05 AM   رقم المشاركة : 1

 

التوبة قبل فوات الأوان
ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير - حفظه الله - خطبة الجمعة 14/5/ 1433هـ بعنوان: "التوبة قبل فوات الأوان"، والتي تحدَّث فيها عن التوبة وحضَّ الناسَ على المُسارعة إلى التوبةِ والعودة إلى الله تعالى قبل الندَم يوم لا ينفعُ حينَها ندَمٌ، ونصحَ من عليه مظلِمة، أو حقٌّ لله أو للعباد بوجوبِ ردِّه قبل أن يُقضَى على العبد بالموتِ.
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله الذي آوَى من إلى لُطفِهِ أَوَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له داوَى بإنعامِهِ من يئِسَ أسقامِهِ الدوا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله من اتَّبَعه كان على الهُدى، ومن عصاهُ كان في الغِوايةِ والرَّدَى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه معالمِ التقوَى وينبوع الصَّفَا، صلاةً تبقَى وسلامًا يترَى.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[الحشر: 18].
أيها المسلمون:
إنكم في دارٍ ليست للبَقَا، وإن تراخَى العُمرُ وامتدَّ المَدى، الدنيا قنطرةٌ لمن عبَرَ، وعبرةٌ لمن استبصَرَ واعتبَرَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[آل عمران: 185]، حياةٌ تقودُ إلى المماتِ، لا يُرى في حُشودِها إلا الشتات، وما يُسمَعُ في رُبُوعِها إلا: فلانٌ مرِضَ، وفلانٌ مات.
الموتُ في كل حينٍ ينشُدُ الكَفَنَا
ونحنُ في غفلةٍ عما يُرادُ بنا
فيا مَن يُقصَدُ بالموتِ ويُنحَى
يا مَن أسرفَ في المعاصِي إجرامًا وقُبحًا
يا مَن أسمعَتْه المواعِظُ إرشادًا ونُصحًا! هلا انتهيتَ وارعوَيْتَ، وبذِلتَ وبكَيتَ، وفتحتَ للخير عينيك، وقمتَ للهُدى مشيًا على قدَمَيْك، لتحصُلَ على غايةِ المُراد، وتسعَدَ كلَّ الإسعاد؛ فإن عصيتَ وأذَيتَ، وأعرضتَ وتولَّيتَ، حتى فاجأَكَ الأجلُ وقيل: مَيْت، فستعلمُ يوم الحِسابِ من عصيتَ، وستبكِي دمًا على قُبحِ ما جنَيتَ، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى[الفجر: 23].
يا هاتِكَ الحُرُماتِ لا تفعل، يا واقِعًا في الفواحِشِ أما تستحِي وتخجَل، يا مُبارِزًا مولاك بالخطايا تمهَّل، يا مُقلِقًا نفسَه فيما يشتهِي ويُريد، الملِكُ يرى والمَلَكُ شهيد، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ق: 18].
يا مشغولًا قلبُهُ بلُبنَى وسُعدَى، يا مُستلِذَّ الرُّقادِ وهذه الرَّكائِبُ تُحدَى، أعلَى قلبِكَ حجابٌ أم غشَا، أم في عينِك كمَهٌ أم عَشَى، يا مَن أقعَدَه الحِرمان، يا مَن أركسَه العِصيان، كم أغلقتَ بابًا على قبيحٍ، كم عارَضتَ عن قومٍ نصيح، كم صلاةٍ تركتَها، ونظرةٍ أصبتَها، وحقوقٍ أضعتَها، ومناهِي أتيتَها، وشُرورٍ نشرتَها، أنسيتَ ساعةَ الاحتِضار حين يثقُلُ منك اللسان، وترتخِي اليَدَان، وتشخَصُ العينان، ويبكِي عليك الأهلُ والجِيران؟!
أنسيتَ ما يحصُلُ للمُحتضَر حال نزعِ رُوحِه، حين يشتدُّ كربُهُ ويظهرُ أنينُه، ويتغيَّرُ لونُه ويعرَقُ جبينُه، وتضربُ شِمالُهُ ويمينُه؟! «لا إله إلا الله، إن للموتِ سكَرَات».
عباد الله:
أين من عاشَرناه كثيرًا وألِفنا، أين من مِلنَا إليه بالوِداد ولاطَفْنا، كم أغمَضْنا من أحبابِنا جَفْنا، كم عزيزٍ دفنَّاه وانصرَفنا، كم قريبٍ أضجعنَاه في اللَّحْدِ وما عطَفْنا؟! فهل رحِمَ الموتُ منا مريضًا لضعفِ حاله، هل تركَ كاسِبًا لأجل أطفاله، هل أمهلَ ذا عِيالٍ من أجل عِيالِهِ؟!
أين من كانوا معَنا في سالِفِ الأيامِ والأعوام؟! أتاهم هادِمُ اللذَّات، وقاطِعُ الشهوات، ومُفرِّقُ الجماعات، فأخلَى منهم المساجِدَ والمشاهِد.
تراهم في بُطونِ الألحادِ سَرعَى، لا يجِدون لما هم فيه دفعًا، ولا يملِكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ينتظِرون يومًا الأُممُ فيه إلى ربها تُدعَى، والخلائقُ تُحشَرُ إلى الموقفِ وتسعَى، والفرائِصُ ترعُدُ من هولِ ذلك اليومِ والعيونُ تذرِفُ دمعًا، والقلوبُ تتصدَّعُ من الحسابِ صَدعًا.
فيا عبدَ الله:
استدرِك من العُمرِ ذاهِبًا، ودعِ اللهوَ جانِبًا، وقُم في الدُّجَى نادِبًا، وقِف على البابِ تائِبًا؛ فالتوبُ مقبولٌ، وعفوُ الله مأمولٌ، وفضلُهُ مبذولٌ، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا[الانشقاق: 6- 15].
بارَكَ الله ولكم في القُرآن والسنة، ونفعَني وإياكم بما فيهما من الآيات والبيِّنات والعِظاتِ والحِكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، فاستغفروه؛ إنه كان للأوابين غفورًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رِضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعُوه ولا تعصُوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[التوبة: 119].
أيها المسلمون:
الأيام تُطوَى، والأعمارُ تفنَى، والأبدانُ تَبلَى، والسعيدُ من طالَ عُمرهُ وحسُنَ عملُه، والشقيُّ من طالَ عُمرهُ وساءَ عملُه، فاتقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه، وسارِعوا إلى مغفرته ومرضاتِه، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ[الزمر: 54].
ومن كانت عليه فريضةٌ فليقضِها، ومن كانت عليه كفَّارةٌ فليُؤدِّها، ومن كانت له مظلِمةٌ لأخيه من عِرضٍ أو شيءٍ فليتحلَّلْه منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا دِرهَم، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مظلِمَته، وإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبِهِ فحُمِل عليه.
و«ما حقُّ امرئٍ مُسلمٍ له شيءٌ يُوصِي به يَبيتُ ليلتين إلا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عنده»، و«من أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويُدخَل الجنة، فلتأتِهِ منِيَّتُهُ وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناسِ الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه».
ثم اعلموا أن الله أمرَكم بأمرٍ بدأَ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِهِ، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِهِ، فقال قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن آله الأطهار، وصحابته الأخيار، المهاجرين منهم والأنصار، وعنَّا معهم بمنِّك ورحمتك يا رحيم يا غفَّار.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المُسلمين.
اللهم مُنَّ على جميع أوطان المُسلمين بالأمن والاستقرار، اللهم مُنَّ على جميع أوطان المُسلمين بالأمن والاستقرار، اللهم مُنَّ على جميع أوطان المُسلمين بالأمن والاستقرار، اللهم ادفع عن المُسلمين الفتنَ والمِحَنَ والشرورَ والحروبَ يا رب العالمين، اللهم ادفع عن المُسلمين الفتنَ والمِحَنَ والشرورَ والحروبَ يا رب العالمين.
اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا يا رب العالمين.
اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، القتَلَة المُجرمين، اللهم زلزِلِ الأرضَ من تحت أقدامهم، اللهم زلزِلِ الأرضَ من تحت أقدامهم، اللهم دُكَّ عروشَهم، اللهم دُكَّ عروشَهم، وفُلَّ جيوشَهم، وزلزِلِ الأرض من تحت أقدامهم، وألقِ الرُّعبَ في قلوبهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم قاتلِ الكفَرَة الذين يصُدُّون عن سبيلك، ويُعادُون أولياءَك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك. اللهم مُنَّ على المُسلمين جميعًا بتطهير المسجد الأقصَى، اللهم مُنَّ على المُسلمين جميعًا بتطهير المسجد الأقصَى من رِجسِ يهود يا رب العالمين.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسُوءَ الفتن ما ظهر منها وما بطَنَ عن بلدنا هذا خاصَّةً، وعن سائرِ بلاد المُسلمين عامَّةً يا رب العالمين. اللهم اجعل رِزقنَا رغدًا، اللهم اجعل رِزقنَا رغدًا، ولا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا. اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وانصُرنا على مَن عادانا.
اللهم قِنا شرَّ أهل الفساد، اللهم قِنا شرَّ أهل الفساد، اللهم قِنا شرَّ الحُسّاد، اللهم قِنا شرَّ أهل الضغائنِ والأحقاد، اللهم ادفَع عنا أذاهم وكيدَهم يا رب العِباد.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبرُ، والله يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-16-2012, 10:43 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

العقوبات الإلهية سنةٌ ماضِية
ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله - خطبة الجمعة 21/5/1433هـ بعنوان: "العقوبات الإلهية سنةٌ ماضِية"، والتي تحدَّث فيها عن العقوبات الإلهية التي أصابَت الأقوام السابقين، مُبيِّنًا أنه لا يسلَمُ من هذه العقوباتِ إلا من تمسَّك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى؛ فبتقوى الله تُستجلَبُ النِّعَم، وبالبُعد عنها تحِلُّ النِّقَم.
أيها المسلمون:
خلقَ الله العبادَ لعبادته وبيَّن لهم طريقَ الهداية من طريق الضلالة، قمن أطاعَه نالَ السعادة، ومن عصاه أعدَّ له عذابًا شديدًا؛ قال - عز وجل -: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ[الحجر: 49، 50].
والله - سبحانه - قويٌّ قديرٌ إذا نزلَ عذابُه لم يرُدَّه أحدٌ، ولهذا حذَّرَ العبادَ من نفسِهِ وغضبِهِ وعذابِهِ فقال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[آل عمران: 28].
والعقوبةُ الإلهية سنةٌ من سنن الله التي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل؛ قال - عز وجل -: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[آل عمران: 137].
وكانت الأممُ السالفةُ تُعذَّبُ باستِئصالِها جميعًا؛ كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمود، قال - جلَّ شأنه -: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأنعام: 45].
ولما بعثَ الله موسى - عليه السلام - رفعَ الله برحمته عذابَ إهلاك الأمةِ جميعًا؛ قال - جلَّ شأنه -: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى[القصص: 43].
قال شيخُ الإسلام - رحمه الله -: "وكان قبل نزول التوراة يُهلِكُ اللهُ المُكذِّبين للرسل بعذابِ الاستِئصال عذابًا عاجِلًا، يُهلِكُ اللهُ به جميعَ المُكذِّبين".
ونبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - سألَ ربَّه ألا يُهلِكَ أمَّتَه جميعًا؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «سألتُ ربي ألا يُهلِكَ أمَّتي بالسَّنَةِ - أي: بالجُوعِ –، فأعطانيها، وسألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بالغرق، فأعطانيها، وسألتُه ألا يجعلَ بأسَهم بينهم، فمنعنيها»؛ رواه مسلم.
وعذابُ كلِّ أمةٍ يتفاوتُ بتفاوُت ذنوبهم، وأولُ عذابٍ أنزلَه الله في الأرض هو الغرقُ؛ قال - جلَّ شأنه - عن قومِ نوحٍ: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا[نوح: 25]، وأغرقَ فرعونَ وجنودَه به، فقال: فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ[الأعراف: 136]، ومملكة سبأٍ أهلكَها الله بالماءِ، فقال تعالى: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ[سبأ: 16]، وهدَّدَ الآمنين من مكره بالغرق، فقال: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ[الإسراء: 69].
وأرسلَ على قوم عادٍ ريحًا عاتِيةً، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ[الحاقة: 6]، وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا رأى غَيْمًا أو رِيحًا خشِيَ منها، قالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله! الناسُ إذا رأوا الغَيْمَ فرِحوا رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراك إذا رأيتَه عُرِفَت في وجهِك الكراهية؟ فقال: «يا عائشة! ما يُؤمِّنُني أن يكونَ فيه عذابٌ، قد عُذِّبَ قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذابَ فقالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا[الأحقاف: 24]»؛ متفق عليه.
وأخذَت قومَ صالحٍ صيحةٌ قطَّعَت قلوبَهم: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ[القمر: 31].
وتوعَّد اللهُ المُشركين بمثلِ هذا العذابِ، فقال: وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ[ص: 15].
ولما كفرَ قومُ لُوطٍ وارتكَبُوا المُوبِقَاتِ أرسلَ الله عليهم حِجارةً وقلبَ دِيارَهم، فقال - سبحانه -: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ[هود: 82].
وهمَّ أصحابُ الفيل بهدمِ الكعبة ونقضِ حجارتِهِ فنزلَت عليهم حجارةٌ من السماء: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ[الفيل: 3، 4].
وقارون علَا وظَلَم فأهانَه في سافلِ الأرض، قال - سبحانه -: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ[القصص: 81]، وحذَّر العُصاة من هذا العذابِ، فقال: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ[النحل: 45]، «وبينما رجلٌ يمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُه نفسُه مُرجِّلٌ جُمَّتُه؛ إذ خسَفَ الله به فهو يتجلجلُ به إلى يوم القيامة»؛ متفق عليه.
ومن لم يشكُر نعمةَ الأمن والرخاء سلَبَه إياهما: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[النحل: 112].
وعذَّبَ بني إسرائيل بتسليطِ الأعداء عليهم إلى يوم الدين، قال - سبحانه -: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ[الأعراف: 167]، وأصابهم الذلُّ والهوان بما اقترفُوا من خَطايا، قال - سبحانه -: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا[آل عمران: 112].
وعذَّبَ الله أقوامًا بمَسْخِ صُورهم إلى غير صُورة البشرة؛ فأصحابُ السبتِ احتالُوا على ما حرَّمَ الله فمسَخَهم قِردةً، قال - سبحانه -: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ[البقرة: 65]، ومسخَ من بني إسرائيل قِرَدةً وخنازيرَ، كما قال - سبحانه -: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ[المائدة: 60].
وسيقعُ في هذه الأمةِ مِثلُ ذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليَكُونَنَّ من أمَّتِي أقوامٌ يستحِلُّونَ الحِرَ - أي: الزنا -، والحريرَ، والخمرَ، والمعازِفَ، ولينزِلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ علَمٍ - أي: جبَلٍ - يرُوحُ عليهم بسارحَةٍ لهم - أي: لهم غنَمٌ يأتيهم؛ يعني: الفقيرُ لحاجةٍ - فيقولون: ارجِع إلينا غدًا، فيُبيِّتُهم الله ويضعُ العلَمَ - أي: يدُكُّ الجبلَ - ويمسَخُ آخرين قِردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة»؛ رواه البخاري.
و«غضِبَ الله على سِبطٍ من أسباطِ بني إسرائيل فمسخَهم دوابَّ يدُبُّون في الأرض»؛ رواه مسلم.
وأرسلَ على بني إسرائيل الطوفان والجرادَ والقُمَّلَ والضفادِعَ والدمَ، وأحلَّ العداوةَ والبغضاءَ بين اليهود، فلا تجتمِعُ قلوبُهم أبدًا، قال - سبحانه -: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ[المائدة: 64].
والطاعونُ من عذابِ الله، قال - عليه الصلاة والسلام -: «الطاعُون رِجسٌ أُرسِلَ على طائفةٍ من بني إسرائيل، أو على من كان قبلَكم»؛ رواه البخاري.
ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قُريشٍ إدبارًا في أول دعوته وآذَوه، فدعَا عليهم وقال: «اللهم سبعٌ كسبعِ يُوسُف - أي: دعا عليهم بالجُوع -، فأخَذَتهم سنةٌ حصَّت كلَّ شيءٍ، حتى أكَلوا الجُلُودَ والميتةَ والجِيَف»؛ رواه البخاري.
وأرسل اللهم ملَكَ الجبال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: «إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم - أي: على قُريشٍ - الأخشبَيْن، وهما جبَلَان عظيمان في مكة»؛ متفق عليه.
ولحِقَ سُراقةُ بنُ مالكٍ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ - رضي الله عنه - وهما في طريقِ الهِجرة ليُعلِمَ قُريشًا عنهما، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم اصْرَعه». فصرَعَه الفرسُ، ثم قامَت تُحَمحِمُ - أي: قامَت الفرسُ تُخرِجُ صوتًا -؛ رواه البخاري.
وعصَى رجلٌ أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فشُلَّت يدُه من ساعته، كان الرجلُ يأكلُ بشِماله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كُل بيمِينك». قال: لا أستطيعُ. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا استَطَعْتَ، ما منعَه إلا الكِبْرُ». قال الراوي: فما رفعها إلى فيه؛ رواه مسلم.
ودخلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على أعرابيٍّ مريضٍ، فقال له: «لا بأسَ؛ طهورٌ إن شاءَ الله» - أي: أن المرضَ يُكفِّرُ الخَطَايا -. فقال الأعرابيُّ - مُتسخِّطًا على قدرِ الله -: قلتَ: طهورٌ، كلا بل هي حُمَّى تفُور أو تثُور، على شيخٍ كبيرٍ، تُزيرُه القبور. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فنَعم إذًا»؛ أي: سيكونُ كما ظننتَ أنها ستُميتُك؛ رواه البخاري. وعند الطبراني: فأصبحَ الرجلُ ميِّتًا.
وأسلمَ رجلٌ نصرانيٌّ فكان يكتبُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - كُتبَه، فارتدَّ فأماتَه الله، فدفنُوه فلفَظَته الأرضُ، فحفَروا له ثانيةً فأعمَقُوا فلفَظَته الأرض، فعلوا ذلك ثلاث مراتٍ والأرض تلفظُه فترَكوه؛ رواه البخاري.
ولما قرأَ كِسرى كتابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مزَّقَه فمزَّقَ الله مُلكَه. قال الزهريُّ - رحمه الله -: "فحسِبتُ أن ابن المُسيَّب قال: فدعا عليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُمزَّقَ كلَّ مُمزَّق"؛ رواه البخاري.
وما أبغضَ أحدٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتطاوَلَ عليه إلا بترَهُ الله بقَطْعِ ذِكرِه ونَسْلِه: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ[الكوثر: 3].
ومن نالَ من الصحابةِ - رضي الله عنهم - شيئًا فإن الله ينتقِمُ منه؛ قال القاضي أبو الطيبِ - رحمه الله -: "كنا في مجلسِ النظرِ بجامعِ المنصورِ، فقال شابٌّ: أبو هريرة غيرُ مقبول الحديثِ، فما استتمَّ كلامَه حتى سقَطَت عليه حيَّةٌ عظيمةٌ من سقفِ الجامعِ، فوفدَ الناسُ من أجلها - أي: جلَسُوا فزِعين -، وهربَ الشابُّ منها وهي تتبَعُه، فقيل له: تُب. فقال: تُبتُ، فغابَت الحيَّةُ فلم يُرَ لها أثرٌ".
وقد يُعاقَبُ المرءُ بقطعِ رِزقِه: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا[النساء: 160].
وأعظمُ عقوبةٍ في الدنيا: العقوبةُ في الدين؛ فمن صدَّ عن دين الله أعرضَ الله عنه، قال - سبحانه -: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ[الصف: 5]، ومن نقضَ ميثاقَ ربِّه وأشركَ مع الله غيرَه عُوقِبَ بقَسوَةِ القلبِ، قال - سبحانه -:فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً[المائدة: 13]، ومن دعا غيرَ الله نُزِعَت من قلبه محبةُ الله وأحبَّ ما سِواه، قال - سبحانه -: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ[البقرة: 93].
ومن تعلَّق تميمةً تخلَّى الله عنه ووكلَهُ إلى ما علَّق، قال - عليه الصلاة والسلام -: «من تعلَّقَ شيئًا وُكِلَ إليه»؛ رواه الترمذي.
وقد يُعاقَبُ المرءُ في دينه بحُبُوطِ عمله؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «قال رجلٌ: واللهِ لا يغفرُ الله لفُلان، فقال الله - عز وجل -: من الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفِرَ لفُلان، فإني قد غفرتُ له وأحبطتُ عملَكَ»؛ رواه مسلم.
وبعد، أيها المسلمون:
فعذابُ الله شديدٌ، وعِقابُه سريعٌ، وأخذُهُ أليم، ووعدُه حقٌّ، وبيده مقاليدُ السماوات والأرض، ولا يُعجِزُه شيءٌ، وما يعلمُ جنودَه إلا هو، وأمرُه كلمحِ البصرِ، وإذا عصَى العبدُ ربَّه هانَ عليه، ويستدرِجُه من حيث لا يعلمُ، وهو - سبحانه - لا يخفَى عليه شيءٌ من أعمال خلقِه؛ فمن عمِلَ صالحًا شُكِر، ومن أساءَ عُوقِبَ، والعاقلُ لا يستهينُ بمعاصِي الله فلا يعلمُ أيُّها تُهلِكُه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[النور: 63].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
قصَّ الله علينا قصصَ من قبلَنا للعِظَة والعِبرَة، وهو بحكمتِهِ وعدله يُظهِرُ للناسِ أعمالَهم في قوالِب وصُورٍ تُناسِبُها؛ فتارةً بقحطٍ وجَدبٍ، وتارةً بعدوٍّ، وتارةً بأمراضٍ عامَّة، وتارةً بهُمومٍ وآلامٍ وغمومٍ، وتارةً بمنعِ بركاتٍ من السماء والأرض وقطع الرِّزق، ومن تابَ رفعَ عنه عذابَه، ومن أنابَ إليه أعلى درجَتَه.
والعقوباتُ سببُها العبدُ نفسُه، قال - سبحانه -: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[الشورى: 30].
وإذا تأخَّرَ العذابُ قد يكونُ استِدراجًا أو إمهالًا؛ قال - جلَّ شأنه -: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ[الأعراف: 182].
قال القرطبي - رحمه الله -: "تأخيرُ العذابِ ليس للرِّضا بأفعالهم؛ بل سُنَّةُ الله إمهالُ العُصاة مُدَّة".
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُود وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا أو أرادَ المُسلمين بسُوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيدَه في نحره.
اللهم انصُر المُستضعفين من المُسلمين في الشام، اللهم كن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا.
اللهم عليك بمن آذاهم، اللهم زلزِل الأرضَ من تحت أقدامهم، واجعل كيدَهم في نُحورهم، وألقِ الرُّعبَ في قلوبِهم.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم رُدَّهم إليك ردًّا جميلاً، ووحِّد كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23].
اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك يا رب العالمين.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-23-2012, 06:58 PM   رقم المشاركة : 3

 

أهمية الإحسان
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة 28|5|1433هـ بعنوان: "أهمية الإحسان"، والتي تحدَّث فيها عن الإحسان، وذكرَ العديد من صُوره؛ مثل: الإحسان إلى الله بعبادته ومُراقبته، وإلى الخلق بإعطائهم حقوقهم وعدم ظُلمِهم، وعرَّج على ذكرِ الحُكَّام والولاة وضرورةِ عدلِهم وإحسانِهم إلى رعيَّتهم، وحلَّى خُطبتَه بذكرِ نفائسِ الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين.

الخطبة الأولى
الحمد لله عظيم الشان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُتفضِّل بالعطاء والإحسان، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه سيدُ ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ أهل التقوى والإيمان.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].
أيها المُسلمون:
من القواعد الكُبرى لدين الإسلام: الأمرُ بالإحسان بشتَّى صُوره ومُختلَف أشكاله، في جميع الحالات، وكافَّة التصرُّفات، يقول - جل وعلا -: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى[النحل: 90].
فأهلُ الإحسانِ همُ الفائِزون بمحبَّة الله - جل وعلا -، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[البقرة: 195].
أصحابُ الإحسان هم السُّعداءُ بمعيَّة الله ورعايتِه ولُطفِهِ ورحمته، قال - جل وعلا -: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[النحل: 128].
وبالجُملة فهم في الدَّارَين مُتنعِّمون، وبرِضا ربِّهم فائِزون، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ[الذاريات: 15، 16].
إخوة الإسلام:
للإحسانِ مفهومٌ خاصٌّ يشملُ الإحسانَ الذي هو أفضلُ منازلِ العبودية بتنقيةِ المقاصِدِ من شوائبِ الحُظوظ، وذلك بالإخلاصِ الكاملِ لله - جل وعلا -، توجُّهًا وإرادةً ومقصِدًا، ويكونُ بالعمل الصالحِ المبنيِّ على السُّنَّةِ المُحمَّديَّة اعتقادًا وعملًا.
في الحديث الصحيح: «الإحسان: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراكَ».
معاشِرَ المُسلمين:
والإحسانُ له مفهومٌ عامٌّ يعني الإنعامَ على الغير، والإحسانَ في الأفعال كلِّها بالإتقانِ والإكمال من أعمال الدين أو الدنيا. الإحسان: مُعاملةُ الخلق بالحُسنى في جميع الأقوال والأفعال إلا ما حُرِّم الإحسانُ إليه بحُكم الشرع.
إخوة الإسلام:الإحسانُ في نُصوص الوحيَيْن يُشكِّلُ جوهرَ العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، فدائرتُه تشملُ النفسَ والرعيَّةَ والأُسرةَ والأقارِبَ، ثم المُجتمعَ والإنسانيَّةَ عامَّةً.
في "الصحيحين": «أن امرأةً بغِيًّا - أي: زانِية - رأَت كلبًا يلهَثُ من العَطَشِ يأكلُ الثَّرَى، فنزَعَت خُفَّها وأدلَتْه في بئرٍ فنزَعَت من الماء ثم سقَت ذلك الكلبَ، فغفَرَ اللهُ لها».
ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ، فإذا قتلتُم بأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبَحتُم فأحسِنوا الذِّبحَة»؛ رواه مسلم.
بل إن الإحسانَ في دائرته الواسِعة الرَّحْبَة يشملُ المُخالفين في العقيدة، وذلك بالعفو والصفحِ عمَّا يصدُرُ منهم؛ قال - جل وعلا -: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[المائدة: 13].
معاشر المسلمين:
الإحسانُ في الإسلام يشملُ دائرةَ الحياة كلها، وما فيها من نباتٍ أو حيوانٍ أو جمادٍ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[الأعراف: 56].
روى المُنذريُّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتَلَ عُصفورًا عبَثًا عجَّ إلى الله يوم القيامة يقول: يا ربِّ! إن هذا قتَلَني عبَثًا ولم يقتُلني منفعةً».
أيها المسلمون:
من الإحسان الواجِبِ: مُعاشَرةُ المُسلمين بالحُسنى، ومُعاملتُهم المُعاملةَ الفُضلَى، خاصَّةً الوالدَيْن والأولادَ والزوجَيْن والأقارِب، يقول - جل وعلا -: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة: 83].
وفي الحديثِ: عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُخبِرُك بأكرمِ أخلاقِ الدُّنْيا والآخرة: أن تصِل من قطَعَك، وتُعطِي من حرَمَك». وذلك هو الإحسانُ.
من الإحسانِ - أيها المسلم -: العفو عن الحقوق الواجبةِ للإنسان عند غيره، والتنازُل عنها لوجهِ الله - جل وعلا -؛ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[آل عمران: 134].
ومن أعظم الإحسان: بَذلُ المعروفِ بشتَّى صُوره للخلقِ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - مُعلِّمُ البشريَّةِ الإحسانَ والرحمةَ -: «كلُّ معروفٍ صدَقَةٌ»؛ متفق عليه.

معاشِرَ المُسلمين:
الإحسانُ معنًى جميلٌ، مطلوبٌ حتى في مجالات اللقاءات والمُحاورات، ويتأكَّدُ ذلك حالَ الخُصومات والمُنازَعات؛ الله - جل وعلا - يقول: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ[الإسراء: 53]، ويقول - جل وعلا -: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[فصلت: 34].
الإحسانُ مطلوبٌ في التحاوُر بين المُسلِم وأهلِ الكتابِ لتَصِلَ المُجادَلَةُ إلى الثَّمرةِ اليانِعَة والمقاصِد المُبتغَاة؛ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[العنكبوت: 46].
إخوة الإسلام:
والتجَّار ما أحوَجَهم إلى أن يأخُذوا أنفُسهم بمسْلَكِ الإحسان والرحمة؛ بأن يتَّقوا اللهَ - جل وعلا - في المُسلمين، فلا يُقدِموا على الاستِغلال الذي انتشرَ في هذه الأزمان، ولا على الاحتِكار والمُبالَغَة في الأسعار؛ بل الواجِبُ أن يتذكَّروا أن ربًّا عظيمًا يُراقِبُ نيَّاتهم وأقوالَهم وأفعالَهم؛ فعليهم أن يتذكَّروا أن المُسلمين إخوةٌ، وأن المؤمنَ يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، فعليهم أن يُحسِنوا إلى الناسِ، فيربَحوا رِبحًا معقولًا يُبارَك لهم فيه، ويحمَدوا العاقبةَ دُنيا وأُخرى؛ قال - جل وعلا -: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ[القصص: 77].
إن ما حصلَ في بعض بُلدان المُسلمين من أسبابِه العُظمَى: انتشارُ الفقر بسببِ استِغلال التجَّار لحاجة الضُّعفَاء، وحينئذٍ خسِرَ الجميعُ الأمنَ والأمانَ.
نسألُ اللهَ - جل وعلا - أن يمُنَّ على المسلمين بالأمن والأمان.


أيها الفُضلاء:
من الإحسان الواجِبِ أن كلَّ راعٍ - من حاكمٍ، أو وزيرٍ، أو غيرِه - يجبُ عليه أن يقُودَ الرَّعِيَّةَ وَفقَ قاعدة العدلِ والإحسانِ، فيكونُ بهم رحيمًا رفيقًا، للصغير أبًا، وللكبير ابنًا، وللمِثلِ أخًا، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[الشعراء: 215].
قال عُثمان - رضي الله عنه - في وثيقةٍ يجبُ على كل مسؤولٍ أن يجعلَها نُصبَ عينَيْه، قال: "صحِبنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّفَر والحَضَر، كان يعودُ مرضانا، ويتَّبِعُ جنائِزَنا، ويغزُو معنا، ويُواسِينا بالقليل والكثير"؛ رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ.
بل إنه - عليه الصلاة والسلام - كان يُؤثِرُهم على نفسِه.
إنه الإحسانُ - أيها الراعي - الذي قال عنه عمرُ الفاروقُ - رضي الله عنه - وهو مضرِبُ المثَل الأعلى في العدل والإحسان بالرَّعِيَّة -: "لئن سلَّمَنِيَ اللهُ لأدَعَنَّ أرامِلَ أهلِ العراقِ لا يحتَجْنَ إلى رجُلٍ بعدي أبدًا"؛ رواه البخاري.
وصدَقَ، فهو الذي يدخلُ على عجوزٍ من عجائزِ المدينة، يحمِلُ عنها الكلَّ، ويُوصِلُ إليها الماءَ، وهي لا تعرِفُ من هذا الرجل.
إنه الإحسانُ الذي يحدُوهُ إلى الشَّفَقَة بالرَّعِيَّةِ، ومُراعاة مصالِحِهم، ودفعِ كل ما يشُقُّ عليهم.
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتِي - وكأنه - عليه الصلاة والسلام - وهو الذي يُوحَى إليه علِمَ بعلمِ الله له ما سيحصُلُ في زمانِنا هذا -، فقال: «اللهم من ولِيَ من أمر أُمَّتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومن ولِيَ من أمر أمَّتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارفُق به»؛ رواه مسلم.
فأين أنتم يا دُعاة الديمقراطية، وأين أنتم يا دُعاة حقوق الإنسان من هذا المثَلِ العظيمِ الذي ضرَبَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لكل والٍ ولكل راعٍ؟!
إنه الإحسانُ الذي يجعلُ المسؤولَ من حاكمٍ ووزيرٍ ومن دونَهم يجتهِدُ وينصَحُ لمن تحت رِعايتِهِ وولايتِهِ؛ يقول معقِلُ بن يسارٍ قال: قال سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من عبدٍ يسترعِيه اللهُ رعِيَّةً يموتُ يوم يموتُ وهو غاشٌّ لرعِيَّته إلا حرَّمَ الله عليه الجنةَ»؛ متفق عليه. وفي روايةٍ: «فلم يُحِطها بنُصحِهِ لم يجِد رائِحَةَ الجنةِ».
أوَتظنُّ - أيها المسؤول - أن ما تعيشُ فيه من غَمرة الشهوةِ - شهوةِ المسؤولية، وشهوةِ المنصِبِ - أن اللهَ - جل وعلا - تارِكُك؟! بل سيُحاسِبُك حسابًا دقيقًا؛ فأعِدَّ للسؤال جوابًا صوابًا.
إن الإحسانَ المطلوبَ من الراعي: أن يسلَمَ من العُنفِ على الرَّعِيَّةِ، وأن يسلَمَ من القسوة بهم؛ عن عائذِ بن عمروٍ - رضي الله عنه - أنه دخلَ على عُبيد الله بن زِياد، فقال: أيْ بُنيَّ! إني سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن شرَّ الرِّعاءِ الحُطَمة»، فإيَّاك أن تكون منهم؛ متفق عليه.
والحُطَمة: العُنفُ في رِعايةِ الإبِلِ.
مثَلٌ ضربَه - صلى الله عليه وسلم - لوالي السُّوءِ القاسِي الذي يظلِمُ رعِيَّتَه ولا يرَقُّ لهم ولا يرحَمُهم، فكيف إذا قسَى بهم بل أدَّى فعلُهُ إلى إزهاقِ أنفُسهم وأموالهم وهَتك أعراضِهم؟!
فالويلُ ثم الويلُ لمن توعَّدَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
إنه الإحسانُ - أيُّها الراعي - الذي يجعلُ كلَّ راعٍ يحرِصُ على حاجةِ المُحتاجين، وعلى تحقيق منافعِ المُسلمين؛ عن أبي مريم الأَزديِّ - رضي الله عنه - قال لمُعاوية - وهو الوالي ذلك الوقت -: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من ولَّاه اللهُ شيئًا من أمور المُسلمين فاحتَجَبَ دونَ حاجتهم وخلَّتهم وفقرِهم احتَجَبَ اللهُ دونَ حاجتِهِ وخلَّتِهِ وفقرِهِ يوم القيامة». فاستجابَ مُعاويةُ - وهو من هو في الفضلِ والخيرِ -، استجَابَ لهذا القول على حوائجِ المُسلمين يسمعُ لهم ويقومُ بحاجتهم.
فاتَّقِ الله - أيها المسلم -، التزِم بأوامر الله، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ[إبراهيم: 42].
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-23-2012, 06:59 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه ما تعاقبَ ليلٌ ونهارٌ.
أيها المسلمون:
إن من الإحسانِ الواجبِ: الإحسانُ في طاعةِ وليِّ الأمر بالمعروف، ومن ذلك: النصيحةُ الصادقةُ له التي مُبتغاها رِضا الله - جل وعلا -، والتعاوُن معه على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، والحِرص على وحدة الصفِّ وَفق قاعدة الإسلام على تحقيق التقوى والإيمان.
فنسألُ اللهَ - جل وعلا - أن يجعلَنا وإياكم من أهل الإحسان في كل شيءٍ.
من خيرِ الأعمال وأزكاها عند ربِّنا: الإكثارُ من الصلاةِ والسلامِ على النبيِّ الكريمِ خاصَّةً في مثلِ هذا اليوم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدِنا ونبيِّنا وحبيبِنا وقُرَّةِ عيوننا: نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وأصحابهِ، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أحسِن إلينا في الدنيا والآخرة، اللهم أحسِن إلينا في الدنيا والآخرة، اللهم أحسِن إلينا في الدنيا والآخرة، واجعَلنا مع المُحسنين، اللهم اجعلنا من المُحسنين، اللهم اجعلنا من المُحسنين.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم إنك تعلمُ أوضاعَنا، اللهم إنك تعلمُ تسلُّط الأشرار على المُسلمين، اللهم إنه لا يخفَى عليك خافيةٌ، اللهم عليك بأهل الشرِّ والفساد، اللهم عليك بأهل الشرِّ والفساد، اللهم عليك بأهل الفُجورِ والإلحادِ، اللهم عليك بأهل الفُجورِ والإلحادِ، اللهم عليك بمن مكَرَ بالمُسلمين، اللهم عليك بمن مكَرَ بالمُسلمين، اللهم عليك بمن مكَرَ بالمُسلمين.
اللهم إنا أمةَ نبيِّك محمدٍ أفضلِ خلقِك، اللهم مُنَّ علينا بالأمنِ والأمانِ، اللهم مُنَّ علينا بالأمنِ والأمانِ، اللهم ولِّ علينا خِيارَنا، اللهم ولِّ على المُسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ عليهم أهلَ التقوى، اللهم ولِّ عليهم أصحابَ التقوى، اللهم ولِّ عليهم أهلَ التقوى، اللهم جنِّبهُم المُفسِدين وأهلَ الشرِّ يا ذا الجلال والإكرامِ.
اللهم اقمَع واكبِت أهل الشر والفساد، اللهم اقمَع واكبِت أهل الشر والفساد، اللهم لا تُقِم لهم قائمةً، اللهم لا تُقِم لهم قائمةً، اللهم واجعلهم في الأذَلِّين، اللهم واجعلهم في الأذَلِّين، اللهم واجعلهم في الأذَلِّين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لما تحبُّه وترضاه، اللهم ارزُقه البِطانةَ الناصِحةَ الصالِحة، اللهم ارزُقه البِطانةَ الناصِحةَ الصالِحة يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم مُنَّ على المُسلمين بالأمن والأمانِ، اللهم مُنَّ عليهم بالأمنِ والأمان في سُوريا، وفي مصر، وفي اليَمن، وفي ليبيا، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين.
اللهم حقِّق للمُسلمين ما يصبُون إليه، اللهم حقِّق لهم ما يصبُون إليه، اللهم حقِّق لهم ما يصبُون إليه، اللهم احبِط مكرَ أعدائهم، اللهم احبِط مكرَ أعدائهم، اللهم احبِط مكرَ أعدائهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم يا غنيُّ يا حميدُ أغِثنا، اللهم إنا بحاجةٍ إلى المَطَرِ، اللهم إنا بحاجةٍ إلى المَطَرِ، اللهم إنا بحاجةٍ إلى المَطَرِ، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، لا تُؤاخِذنا بأعمالِنا، لا تُؤاخِذنا بجرائِرِنا، اللهم امنُن علينا فأنت أهلُ المنِّ والعطاءِ، اللهم امنُن علينا فأنت أهلُ المنِّ والعطاءِ.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيِّدنا ورسولِنا محمدٍ.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-29-2012, 11:31 PM   رقم المشاركة : 5

 

خطورة التكالُب على الدنيا
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة 6/6/1433هـ بعنوان: "خطورة التكالُب على الدنيا"، والتي تحدَّث فيها عن الدنيا وفتنتها، وأن التكالُب عليها سببُ كل محنةٍ وفتنةٍ وبليَّةٍ، وعاقبةَ ذلك وخيمةٌ في الآخرة، وذكرَ العديدَ من الآيات والأحاديث المُحذِّرة من الانشغالِ بها والسعي خلفَها.

الخطبة الأولى
الحمد لله المُتفرِّد بالكبرياء والبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صاحبُ العِزَّة والبقاء، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه سيدُ الأنبياء، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ أهل الخيرِ والتُّقَى، اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا ورسولِنا محمدٍ وعلى آله وصحبِه أهلِ الخير والتُّقَى.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله - جل وعلا -؛ فالتقوى سبيلُ الفلاح، وطاعةُ الرحمن أساسُ كل فوزٍ ونجاحٍ.
أيها المُسلمون:
أخطرُ شيءٍ اليوم على المُسلمين: تكالبُهم على الدنيا، والتنافُس فيها تنافُس السِّباع على الفريسة، كل ذلك لِذاتِ الدنيا بدون إيثار الآخرة الباقية، ودون أن يكون هذا الحبُّ لهذه الدنيا الفانِية محكومًا بضوابِط الشرعِ وتوجيهاتِه وتعليماتِه.
ولقد حذَّرَنا ربُّنا - جل وعلا - من هذا المسلَكِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[فاطر: 5].
المؤمنونُ أصحابُ رسالةٍ سامِيةٍ ينظُرون لهذه الدنيا على أنها مزرعةٌ للآخرة، فيتزوَّدون منها، ويطلبون فضلَ الله - جل وعلا - وفقَ أوامره - عزَّ شأنه -، قلوبُهم مُتعلِّقةٌ بالآخرة والعملِ لها، مع أخذِهم بنصِيبهم من الدنيا بالعمل النافعِ المُثمِر، والتجارةِ المحكومةِ بتقوى الله - جل وعلا -، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[الجمعة: 10]، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ[القصص: 77].
إن المُتابِعَ لأحوال الأمة اليوم على مُستوى أفرادها ومُجتمعاتها، وحُكَّامها ومحكوميها يجِدُ أن سببَ الشقاء وأصلَ المصائبِ والعَنَاء عند كثيرٍ من الناس، وأن أساسَ المِحَن والفِتَن: تغليبُ حُبِّ الدنيا، والافتِتانُ بها، وجعلُها محكومةً للتوجُّهاتِ والإراداتِ والمقاصِد، ومُسيطرةً على الأفعالِ والأقوالِ والتصرُّفات، فأصبحَ كثيرٌ يُوالِي على الدُّنيا، ومن أجلها يُعادُون، ولِذاتِها يُقاتِلون، فحينئذٍ وقعَ لهم الشقاءُ بأنواعه، وفقَدوا السعادةَ والفلاحَ، والعِزَّ والنجاحَ.
ومن أجل هذا حذَّرَت نُصوصُ الإسلام من هذا المسلَكِ الوَخيم والمنهجِ الأثيم، قال - جل وعلا -: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت: 64].
ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يقول في قصةٍ مع الصحابة - رضي الله عنهم -: «فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكن أخشَى عليكم أن تُبسَطَ الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلَكم، فتتنافَسُوها كما تنافَسُوها، فتُهلِكَكم كما أهلكَتهم»؛ متفق عليه.
وفي حديثٍ آخر: أنه - صلى الله عليه وسلم - جلسَ على المنبَر، قال أبو سعيد: وجلسنا حولَه، ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن مما أخافُ عليكم من بعدي: ما يُفتَحُ عليكم من زهرةِ الدنيا وزِينتِها»؛ متفق عليه.
إن الفلاحَ الدنيوي والأخروي إنما يكونُ في تحقيقِ تقوى الله - جل وعلا - وطاعتِه، والحَذَر من مزالِقِ حبِّ الدنيا، أو أن تُؤثِّرَ على تقوى الله - جل وعلا - بنقصٍ أو تفريطٍ يُؤثِّرُ على هذه الحُقوق اللازِمة، إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[يونس: 7، 8].
وحبيبُنا ونبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الدنيا حلوةٌ خضِرةٌ، وإن اللهَ مُستخلِفَكم فيها فينظُر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ»؛ رواه مسلم.
وفي حديثٍ آخر: يُخبِرُ - صلى الله عليه وسلم - عن فتنةِ هذه الأمة، فيقول: «إن لكل أمةٍ فتنةٌ، وفتنةُ أمتي: المال».
أي: أنهم يُمتَحَنون بهذه الدنيا؛ هل يجعلونها في طاعة الله - جل وعلا -؟ هل يقومون بواجبِ الله وحقوق رب العالمين، أم يُؤثِرون الدنيا وتُفضِي بهم - والعياذُ بالله - إلى المُحرَّمِ والمذموم؟
أمة الإسلام:
أشدُّ الأمور خطرًا على العبدِ: أن يُزهِقَ أرواحًا بريئةً، أو أن يهتِكَ أعراضًا نقِيَّةً، أو أن يسلبَ حقوقًا مرعِيَّةً، أو أن يقعَ في ظلمٍ للخلقِ بأيِّ وجهٍ من الوجوه من أجلِ دُنيًا فانِية، ومتاعٍ زائلٍ.
من أقبَحِ الأفعالِ: فعلٌ يُبعِدُك عن رِضا ربِّ العالمين من أجلِ دُنيا حقيرةٍ وعَرَضٍ زائلٍ.
من أشنعِ المسالِكِ: مسلَكٌ يُلقِي بأوامرِ الله - جل وعلا - ظِهريًّا من أجل منصِبٍ زائفٍ أو كرسيٍّ لا يبقَى.
قال - صلى الله عليه وسلم - قولًا ينبغي أن يكون نُصبَ أعيُننا: «ما ذِئبان جائِعانِ أُرسِلا في غنَمٍ بأفسَدِ لها من حِرصِ المرء على المالِ والشرفِ لدينه».
فحبُّ المال وحبُّ الشرف إذا لم يكن محكومًا بطاعة الله - جل وعلا - فإنه يكونُ من مُفسِدات الدين - والعياذ بالله -.
إن من يُقدِمُ على إفساد دينه لأجل دُنياه؛ من جمعِ مالٍ، أو حِرصٍ على منصبٍ أو وظيفةٍ، فهو ساعٍ في هلاكِ نفسِهِ عاجِلًا أم آجِلًا، سنَّةٌ إلهيَّةٌ ماضِيةٌ، لا تتبدَّلُ ولا تتغيَّرُ؛ فقد دعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على من كان هذا شأنُه: «تعِسَ عبدُ الدينار، تعِسَ عبدُ الدرهم، تعِسَ عبدُ القَطيفَة والخَميصَة، إن أُعطِيَ رضِي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ»؛ رواه البخاري.
إن حبَّ الدنيا، إن حبَّ الزعامة، إن السعيَ إلى المناصبِ والقيادَة مذمومٌ لذاته، لاسيَّما حينما يُساوِمُ المرءُ فيها على أمرٍ من أمور دينه، أو يتنازَل عن واجبٍ من واجباتِ خالِقِه؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم ستحرِصون على الإمارة، وستكونُ نَدامةً يوم القيامة»؛ رواه البخاري.
وحينما قال له أبو ذرٍّ: ألا تستعمِلني يا رسول الله؟ قال: «يا أبا ذرٍّ! إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خِزيٌ ونَدامةٌ إلا من أخذَها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها».
اللهم اجعلنا ممن يستمِعُ القولَ فيتَّبِعُ أحسنَه، وممن إذا أذنبَ استغفَر، وإذا أُعطِي شكَر، وإذا ابتُلِي صبَر.
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
إن الواجبَ على المُسلمين اليوم وهم يُعانون من هذه المِحَن ومن هذه الفِتَن التي لا يعلمُ عاقِبَتها إلا اللهُ - جل وعلا - أن يستدرِكوا أمرَهم، وإن على أهل الحلِّ والعقدِ من حُكَّامٍ وعلماء وأُمراء ووُجهاء في دِيار المُسلمين أن يسعَوا إلى لمِّ الشمل وجمعِ الكلمة بإصلاحِ الوَضعِ وفقَ منهج الإسلام الذي لا تصلُحُ الأمةُ إلا بهِ، وعلى من تحمَّلَ مسؤوليَّةً في بلادِ المُسلمين أن يقودَهم بالإسلام، أن يسيرَ بهم وفقَ الوحيِ المُطهَّر والسيرةِ النبويَّة العظيمةِ، وسيرةِ الخُلفاء الراشدين.
فيجبُ علينا أن نقرأَ هذه السِّيَر، وأن نقتدِيَ بها، وأن نجعلَها حاكِمةً لنا في تصرُّفاتنا وفي مسالِكِنا.
إن الأمورَ لا تصلُح ولن تعيشَ المُجتمعات الإسلامية في رغَدٍ ورفاهِيَةٍ وخيرٍ وصلاحٍ إلا بهذا المنهَجِ، وبتقريبِ أهل الخير والصلاحِ وأصحابِ الإخلاص والصدقِ والنزاهة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بعَثَ الله من نبيٍّ ولا استخلَفَ من خليفةٍ إلا كانت له بِطانَتان: بِطانةٌ تأمرُه بالمعروف وتحُضُّه عليه، وبِطانةٌ تأمرُه بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصومُ من عصمَ اللهُ».
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرادَ الله بالأميرِ خيرًا جعلَ له وزيرَ صدقٍ؛ إن نسِيَ ذكَّرَه، وإن ذكَرَ أعانَه، وإذا أرادَ به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سُوءٍ؛ إن نسِيَ لم يُذكِّره، وإن ذكَرَ لم يُعِنهُ»؛ رواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ.
فإن ما أصابَنا في بلاد المُسلمين إنما هو بالبُعد عن المنهجِ الذي خطَّه نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -، وسطَّرَه أبو بكرٍ وعمرُ وعُثمانُ وعليٌّ، وغيرُهم من الصحابة ممن تولَّى للمُسلمين ولايةً أو مسؤوليَّةً، ولا يهلَكُ على الله - جل وعلا - إلا هذا، وقال قائلُهم:
نصحتُ قومي بمُنعَرَج اللِّوَى
فما استبَانُوا النُّصحَ إلا في ضُحَى الغَدِ



ويقول الآخرُ:
أمرتُك أمرًا جازِمًا فعصيتَني
فأصبحتَ مسلُوبَ الإمارةِ نادِمًا
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا ورسولِنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الآل والصحابةِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين.
اللهم اجمع كلمةَ المُسلمين على حبِّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعلى تغليبِ سنَّتِه في حياتهم، اللهم وفِّقهم للعمل بالقرآن والسنة، اللهم وفِّقهم للعمل بالقرآن والسنة، اللهم اخذُل من خذَلَ هذا الدينَ، اللهم اخذُل من خذَلَ هذا الدينَ.
اللهم من أراد بمُجتمعاتنا تغريبًا فعليك به، اللهم من أراد بمُجتمعاتنا غيرَ الإسلامِ فعليك به، اللهم من أراد بمُجتمعاتنا سوءً أو معصيةً فعليك به فإنه لا يُعجِزُك.
اللهم وفِّق المُسلمين لكل خيرٍ، اللهم احفَظهم في كل مكانٍ، اللهم احفَظهم في كل مكانٍ، اللهم احفَظهم في كل مكانٍ.
اللهم ارفَع السوءَ والضرَّاء عن إخواننا في سُوريا، وفي فلسطين يا حي يا قيُّوم، اللهم ارفع عنهم هذه السوء، اللهم ارفع عنهم الضُّرَّ، اللهم ارفع عنهم الضُّرَّ، اللهم ارفع عنهم الضُّرَّ، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم عُمَّ بالرخاءِ بلادَ المُسلمين، اللهم اجعلهم في رخاءٍ وسخاءٍ، وفي أمنٍ وإيمانٍ يا أرحمَ الراحمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه ونائِبَه لكل خير، اللهم وفِّقهما لكل خيرٍ، اللهم ارزُقهما البِطانةَ الصالِحة الناصِحةَ يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم احفَظ بلادَ الحرمين، اللهم احفَظها بالإسلام، اللهم احفَظها بالتوحيد والعقيدة الصافِية، اللهم احفَظها بالتوحيد والعقيدة الصافِية يا حيُّ يا قيُّوم، وجميعَ بلاد المُسلمين.
اللهم اغفر للمُسلمين والمُسلِمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.
اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم أغِثنا وأغِثِ المُسلمين، اللهم أغِثنا وأغِثِ المُسلمين، اللهم أغِثنا وأغِث دِيارَ المُسلمين، يا حيُّ يا قيُّوم يا غنيُّ يا حميدُ.
سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 05-26-2012, 09:52 PM   رقم المشاركة : 6

 

وجوب شكر النعم
ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله - خطبة الجمعة 13/6/1433هـ بعنوان: "وجوب شكر النعم"، والتي تحدَّث فيها عن النعم الكثيرة التي أنعمَ الله بها على عباده، وأنه أوجبَ عليهم شُكرَها، وإلا زالَت عنهم، أو انقلَبَت عليهم عذابًا، أو مُحقَت بركتُها، أو كانت استِدراجًا.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون:
معرفةُ الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُوجِبُ محبَّتَه وتعظيمَه وإفرادَه، ومن أسمائِه: الوهَّاب، ومن صفاته: الكرَم، ومن كرمِه: ما امتنَّ به على عباده من النِّعَم، فأسبغَ عليهم منها ما لم يسألُوه إياها، ومنَحَ لهم منها ما سألُوه، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ[إبراهيم: 34].
وفتحَ عليهم نِعَمًا من السماءِ والأرض؛ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا[إبراهيم: 34].
وتذكُّرُ نعَمِ الله داعِيةٌ لشُكرِه وتوحيده وكثرةِ عبادته، وهي من أسبابِ الفَلَاح؛ قال - جل وعلا -: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[الأعراف: 69].
واللهُ أمرَ رُسُلَه بتذكُّر نعَمِه عليهم، فقال لعيسى بن مريم - عليه السلام -: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[المائدة: 110].
وقال لنبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى: 6- 8].
وأمر الرُّسُلُ أقوامَهم بتذكُّر أفضالِ الله عليهم؛ فقال هودٌ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً[الأعراف: 69]، وقال صالحٌ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا[الأعراف: 74]، وقال شعيبٌ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ[الأعراف: 86]، وقال موسى لقومه: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ[إبراهيم: 6].
وقال - سبحانه - مُمتنًّا على الأوسِ والخَزرَج: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[آل عمران: 103]، وقال لعباده المؤمنين: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ[الأنفال: 26].
ولما نقضَت غزوةُ الأحزابِ قال: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا[الأحزاب: 9].
وقال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «ألم أجِدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي، وكُنتم مُتفرِّقين فألَّفَكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي»؛ متفق عليه.
وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يتذاكَرون نعَمَ الله عليهم، فخرجَ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسألَهم فقالوا: جلَسنا نذكُر الله ونحمدُه على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا؛ رواه مسلم.
وجلسَ الفُضيلُ وابنُ عُيينة - رحمهما الله - يتَذَاكران النِّعَمَ إلى الصباح.
والله - سبحانه - بفضله نوَّعَ النِّعَمَ لعباده؛ منها ما هو نازلٌ من السماء، ومنها ما هو خارجٌ من الأرض، ومنها ما هو في جوفِها، والبحارُ المُتلاطِمةُ الأمواجِ مُذلَّلةٌ للإنسان، الفُلكُ تمخُرُ في أعلاها، وما في بطنِها من الصيدِ والطعام بما فيه مَيتَتُه حلالٌ لهم، وجواهِرُها من اللؤلؤ والمَرجان ونفائِسَ أُخَر حِليَةٌ لهم ومال.
والنجومُ والكواكبُ من فوقِهم منها الجواري ومنها الكُنَّس، وفيها الوهَّاج وفيها ما هو زينة، منها ما يُبصَر ومنها ما لا يُبصَر، وما بين السماء والأرض رياحٌ بُشرى بين يدَي رحمته.
والزمانُ خُلِق ودُبِّر؛ فلا نهار سرمَدٌ ولا ليل بَهِيم؛ بل هذا وذاك.
والأرض مدَّها فلا تضيقُ بالخلق، وبالجبال أرساها وأنبتَ فيها من كل زوجٍ بهيجٍ.
والإنسان خلقَه وركَّبَه وفي أحسن صُورةٍ صوَّرَه، وأمرَه بالتفكُّر بما في جسدِه من الآيات، وقال لعباده: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ[لقمان: 11].
بل كل ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما فهي هبةٌ من الله للإنسان يستعينُ بها على طاعته، قال - سبحانه -: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ[الجاثية: 13].
ولا تتمُّ على العبد النِّعَمُ إلا بالدين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[المائدة: 3].
ومن المِنَّة على هذه الأمة أن بعَثَ فيها أفضلَ رُسُله، قال - سبحانه -: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ[آل عمران: 164].
وأمرَ الله بالفرح بنعمة نُزول القرآن: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِقال ابن عبَّاس: "أي: بالقرآن" وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا[يونس: 58].
ولعظيم منَّة الهداية أمرَ الله عبادَه أن يسألُوه الثباتَ عليها والزيادة في كل ركعةٍ من صلاتهم، فكان من دُعائِهم: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[الفاتحة: 6].
ومن رأى أن الله هداه وأدخَلَه الجنةَ، وأضلَّ غيرَه وأدخلَه النار عظُمَت نعمةُ الله عليه في قلبه؛ قال تعالى إخبارًا عن المؤمن الذي رأى قرينَه في النار: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ[الصافات: 56، 57].
والعافيةُ أعظمُ نعمةٍ دُنيوية؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «سلُوا اللهَ العافِيَة» - أي: السلامةَ من الآفات والمصائب والشرور - «فإنه لم يُعطَ عبدٌ شيئًا أفضلُ من العافِية»؛ رواه أحمد.
والفراغُ كالصحةِ في قدر النعمة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «نِعمتان غبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ»؛ رواه البخاري.
وكرمُ الله وافِرٌ وعطاؤُه جَزيل، ونِعمُه تزيدُ بالشُّكر، ومن شُكرِها الإقرارُ بأنها منَ الله؛ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[النحل: 53].
وكان - عليه الصلاة والسلام - يقول في صباحه ومسائه: «اللهم ما أصبحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنك وحدَكَ لا شريكَ لك، فلك الحمدُ ولك الشُّكرُ»؛ رواه أبو داود.
ومن شُكرِها: حمدُ الله عليها؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن اللهَ ليرضَى عن العبد أن يأكلَ الأكلَةَ فيحمَده عليها، أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها»؛ رواه مسلم.
والتحدُّثُ بها من شُكرها؛ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى: 11]، فمن شُكر نعمة الهداية: الفرحُ بأن الله هداه وثبَّتَه، ومن شُكر نعمة المال: التحدُّثُ بفضل الله عليك به، والتواضُع لعباده والإنفاق مما أعطاك الله ابتغاءَ وجهه، والمُعافَى يتحدَّثُ بعافيةِ الله له، ويُعمِلُ جوارِحَه في طاعته.
وتذكُّر المحرومين من النِّعَم يزيدُ من قدرها، وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا أوَى إلى فراشه يحمدُ ربَّه على النِّعَم، ويتذكَّرُ من حُرِمَها؛ قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوَى إلى فراشِه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافِيَ له ولا مُؤوِي»؛ رواه مسلم.
والنظرُ إلى من هو دونَه في الدنيا يفتَحُ بابَ القناعة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «انظُروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظُروا إلى من هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ ألا تزدَروا نعمةَ الله عليكم»؛ متفق عليه.
والطاعةُ تحفظُ النعمةَ وتزيدُها، ومن أسباب دوامِها: دعاء الله ليُبقِيَها، ومن دُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذُ بك من زوال نعمَتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطك»؛ رواه مسلم.
وبقاءُ النعمةِ مقرونٌ بالشُّكر، فإن لم تُشكَر زالَت؛ قال - سبحانه -: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم: 7].
والمعاصِي تدفَعُ حُلولَ نعمةٍ نازِلَة، أو ترفَعُ نعمةً حادِثة، وقد لا ترفَعُها ولكن تُنزَعُ البركةُ منها، أو تكون عذابًا لصاحبها، وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا إلا زالَت عنه نعمةٌ بحسب ذلك الذنبِ؛ قال ابنُ القيم - رحمه الله -: "المعاصِي نارُ النعَم تأكلُها كما تأكُلُ النارُ الحَطَبَ".
وإذا رأيتَ نعَمَه سابِغةً عليك وأنت تعصِيه، فاحذَره فقد يكون استِدراجًا لك؛ قال - سبحانه -: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ[الأعراف: 182، 183]. قال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ من الدنيا على معاصِيه ما يُحبُّ فإنما هو استِدراجٌ»، ثم تلا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ[الأنعام: 44]؛ رواه أحمد.
وإذا حلَّت بك نعمةٌ وإن قلَّت فكن حذِرًا منها فقد تكونُ سببَ هلاكِك إذا لم تُشكَر؛ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلَت قطَرَاتٌ من السماء قال - عليه الصلاة والسلام -: «قال الله تعالى: أصبحَ من عبادي مُؤمنٌ بي وكافِر»؛ متفق عليه.
وكل نعمةٍ وإن كانت يسيرةً سيُسألُ عنها العبدُ هل شكرَها أم جحَدَها؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن أولَ ما يُسألُ عنه العبدُ يوم القيامةِ - أي: من النِّعَم -: أن يُقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك ونرويكَ من الماء البارِد؟»؛ رواه الترمذي.
والنِّعَمُ بذاتِها لا تُقرِّبُ من الله، وإنما يُستعانُ بها على طاعته؛ قال - سبحانه -: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ[سبأ: 37].
وقد يُعذَّبُ المرءُ بالنعمةِ إذا لم يتَّقِ اللهَ فيها؛ قال - سبحانه -: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ[التوبة: 55].
قال الحسن - رحمه الله -: "إن الله ليُمتِّعُ العبدَ بالنعمةِ ما شاءَ، فإذا لم يشكُر ربَّه عليها قلَبَها عذابًا".
وبعدُ، أيها المسلمون:
فاللهُ وهَّابٌ كريمٌ يدُه ملأى سحَّاءُ الليل والنهار، وهو عليمٌ حكيمٌ يُعطِي كلَّ عبدٍ ما يُلائِمُه من النِّعَم؛ قال - سبحانه -: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ[الشورى: 27].
وهو - سبحانه - لطيفٌ رحيمٌ يحرمُ العبدَ نعمةً يتمنَّاها، أو يُنزِلُ عليه نعمةً في لباسِ مُصيبةٍ ليرفَعَ درجتَه، والمؤمنُ يتقلَّبُ في حياته بين الشُّكرِ والرضا، والصبر والاستغفار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ[لقمان: 20].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
جُبِلَت القلوب على حبِّ من أحسنَ إليها، ولا أحدَ أعظمُ إحسانًا من الله؛ فالمخلوقُ يتقلَّبُ في جميع أحواله في نعَمِ الله، ومن استعانَ بها على معصية الله فقد جحدَها، ومع كثرة النِّعَم وتوارُدِها على العبادِ قلَّ من يشكُرُها؛ قال - سبحانه -: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[سبأ: 13].
والمُفلِحُ من تذكَّر نعَمَ الله عليه في القليل والكثير وشكرَها.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم رُدَّهم إليك ردًّا جميلاً، واصرِف عنهم الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطَن.
اللهم من أرادنا أو أرادَ المُسلمين بسُوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيدَه في نحره.
اللهم أنْجِ المُستضعفين من المُسلمين في الشام، اللهم كن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا.
اللهم عليك بمن آذاهم، اللهم زلزِل الأرضَ من تحت أقدامهم، وأنزِل عليهم رِجسَك وغضبَك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك وتحكيم شرعك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألُك الإخلاصَ في القول والعمل.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23].


عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 05-26-2012, 09:58 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

أثر الشيطان في إذكاء الشحناء والبغضاء
ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير - حفظه الله - خطبة الجمعة 20/6/1433هـ بعنوان: "أثر الشيطان في إذكاء الشحناء والبغضاء"، والتي تحدَّث فيها عن وساوس الشيطان للمؤمنين وإيقاعه بينهم، وأن ذلك دأبَه لا يفتُر عنه ليل نهار، وذكَّر بضرورة توخِّي الحذر من تلك الوساوس التي مصدرُها شياطين الإنس والجن؛ من إعلامٍ مقروءٍ ومسموعٍ ومرئيٍّ يُوغِرُ الصدور، وينشر العداء بين الأحِبَّة، ولم ينسَ تعامل دولتي الإسلام العظيمتين مع الأحداث الراهِنة بحكمةٍ وروِيَّةٍ.

الخطبة الأولى
الحمد لله أمرَنا بالتعاوُن والتناصُر، ونهانا عن التنازُع والتدابُر، والتقاطُع والتناحُر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلمُ الخفِيَّات والسرائر، ولا يخفَى عليه مكنُون الضمائر، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله من اعتصَمَ بسنَّته نجا من المخاطِرِ والمعاثِر، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائِمَين مُمتدَّيْن إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله وأطيعُوه؛ فطاعتُه أجلُّ نعمة، وتقواهُ أعظمُ عِصمة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
تجمعُ أهلَ الإسلام أواخٍ وكِيدة، وعلائِقُ مُتَّصلة، وذِمامٌ وقُربةٌ، والشيطانُ يبغِي التحريشَ والوقيعة، ويُذكِي نارَ الفُرقة والقَطيعة، ويُثيرُ نقعَ الفتنة والحُروب، ويبُثُّ أحقادَ الأعداء وإحَن البُعَداء بين القرابة والأحِبَّة.
فعن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الشيطانَ قد أيِسَ أن يعبُدَه المُصلُّون في جزيرةِ العربِ، ولكن في التحريشِ بينهم»؛ أخرجه مسلم.
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن إبليسَ يضعُ عرشَه على الماء، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهُم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجِيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا، ثم يجِيءُ أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، فيُدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت»؛ أخرجه مسلم.
ولا يُفرِّقُ بين الأحِبَّة إلا مردَةُ الفساد الأشرارُ الفُجَّار؛ فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُخبِركم بخِيارِكم؟». قالوا: بلى. قال: «فخِيَارُكم: الذين إذا رُاُوا ذُكِر الله تعالى. ألا أُخبِرُكم بشِرارِكم؟». قالوا: بلى. قال: «فشِرارُكم: المُفسِدون بين الأحِبَّة، المشَّاءون بالنميمة، الباغُون البُرَآء العَنَت»؛ أخرجه أحمد.
وعدوُّ الأمة يرُومُ المكيدة، وينصِبُ الشَّرَك، ويسعَى إلى نشر الضغائِنِ والإحَن والعداوات بين البلاد المُسلِمة والشعوبِ المؤمنة، حتى تكون عَجاجَةً لا تسكُن، وغَياغةً لا تنقشِعُ، وثائرةً لا تهدَأ، وفوضًى لا تزول، وصِدامًا لا يحُول، وليكون اختلافُ الأمة وافتراقُها مساغًا إلى ما يرُوم من توسيعِ نُفوذِه، وبلاغًا إلى ما يُحاوِلُه من فرضِ سيطرته ووجُوده.
أيها المسلمون:
ولن تكون أوطانُنا آمِنةً، نواحِينا محروسةً، وأحوالُنا مُنتظمةً إلا باجتماعنا وتحادنا وائتلافِنا، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[آل عمران: 103]، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[الأنفال: 46].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا كما أمرَكم الله»؛ أخرجه مسلم.
أيها المسلمون:
كم رأينا من لقاءاتٍ وحواراتٍ عبر وسائل الإعلام مِلؤُها السِّباب والشتمُ والقذفُ والطعنُ والتحريضُ والتخوينُ والتشويه، والافتراءُ والازدِراءُ والاعتِداءُ، وكم قرأنا من مقالاتٍ وكتاباتٍ ورُدودٍ تستطيلُ في أعراض المُسلمين، وتُعمِّقُ الفُرقَة، وتُبدِّدُ الشملَ، وتُفرِّقُ الجمعَ، وتُمزِّقُ الأُلفَة، وتُباعِدُ بين القلوبِ، ولا تُحقِّقُ مصلحةً ولا إصلاحًا.
وكم شاهَدنا في المجالس والمُنتديات والقنوات من مُواجهاتٍ وصِراعاتٍ وسِجالاتٍ وإثارةٍ للعصبيَّاتِ المذهبيَّة والعِرقيَّة والقبليَّة والحِزبيَّة ما يُمِضُّ ويُمرِض. مصالحُ شخصية، وتحزُّبات مَقيتة، وأصواتٌ تُشترى، وذِممٌ تُباع، وقنواتٌ مأجورة لا تكُفُّ عن أساليب الإثارة والتهييج، وإلهابِ مشاعرِ البُسطاء، واللعب بعواطِف الدَّهماء والغَوغاء.
فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وكفُّوا عن تلك المُمارسات المقبوحة، والأساليب المفضُوحة، والولاءات الشخصية المَقيتة التي جاء في الشرع ذمُّها، وبانَ في العقلِ سُخفُها، وتقرَّرَ في الطبعِ طَيشُها، وثبَتَ في الواقع خطرُها وضررُها.
واعلموا أن دينَكم وأوطانَكم وأمنَكم واستقرارَكم ووحدَتَكم أمانةٌ في أعناقكم، فارعَوها حقَّ رعايتها، وكونوا دعاةَ أمنٍ وسلامٍ، وأُلفةٍ ومحبَّةٍ ووِئام، كونوا شُرفاء أوفياء، وشُهداء أُمناء، ودُعاةَ إخاءٍ وصفاءٍ.
وإننا لنحمَدُ الله تعالى كثيرًا، ونُثنِي عليه كثيرًا، وقد خابَ العدوُّ في مُراده، وأخفقَ في مغزاه، وحُرِم نَيل مُبتغاه يوم سعَى للوقيعة والقَطيعة بين البلَدَين العظيمين: المملكة العربية السعودية دولةِ الإسلام والسلام ودوحةِ الأمنِ والأمانِ والإيمانِ، ومصر أرضِ العُروبة والشُّموخِ والإباء والسلام والإسلام، فخيَّبَ الله سعيَه، وردَّ عليه كيدَه، بفضله ومنَّته - سبحانه وتعالى -، ثم بحكمةِ خادمِ الحرمين الشريفين ووليِّ عهده وحكمةِ أهلِنا في مصر العزيزة.
وشعبُ المملكة العربية السعودية وشعبُ مصر الحبيبة شعبٌ واحدٌ، ولن يُفرِّقَهما عبَثُ حاسِد، أو خُبثُ حاقِد، أو إنكارُ جاحِد.
وإن رغِمَت أنوفٌ من أُناسٍ
فقل: يا ربِّ! لا تُرغِمْ سِواها
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه؛ إنه كان للأوابين غفورًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله حرَّم البغيَ والغدرَ والاعتِداء، أحمدُه في السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرَّخاء، والنعمةِ والبلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يخفَى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ الأنبياء وسيدُ الأولياء، وإمامُ الأتقياء والأصفياء، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم على ذلك السبيل وسائر المُنتمين إلى ذلك القَبِيل، وسلَّم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
بالتقوى تستنيرُ الدُّروب، وبالصبرِ تنفرِجُ الكُرُوب، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[هود: 49].
أيها المسلمون:
من أعظم الجِنايةِ والإجرام: انتِهاكُ حُرمة المُسلِم، وإن من الأفعال المُستنكَرة المُستقبَحة الخارجةِ عن تعاليم الإسلام وأعرافِ العُرَب الأُصَلاء: ما قام به التنظيمُ الإرهابيُّ الهمَجيُّ المُتخبِّطُ في أفكاره وأفعاله من احتجاز الدبلوماسي السعودي عبد الله الخالدي ومُصادرة حريَّته وترويعه، وجعله وسيلةً لابتِزاز بلاد الحرمين الشريفين، والتي وقفت موقفًا أمنيًّا صارِمًا ضدَّ هذه الأفعال العابِثة، والتي لا يقومُ بها إلا غادِرٌ خائنٌ لدينه وأمَّته وعُروبته.
وإننا من منبر سيد الخلقِ رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - نبيِّ الرحمة القائلِ: «لا يحِلُّ لمُسلمٍ أن يُروِّعَ مُسلِمًا»، والقائلِ: «كل المُسلمِ على المُسلم حرامٌ: دمُه ومالُه وعِرضُه».
نُناشِدُ الخاطِفين أن يثُوبوا إلى رُشدِهم، ويُطلِقُوا سراحَ المُختطَفِ البريء، ويُفرِجوا عنه بلا مُساوَمةٍ ولا شُروطٍ، ويكُفُّوا عن تلك المُمارَسَات الشاذَّة التي شوَّهَت جمالَ الإسلام ونقاءَه، وبهاءَه وسناءَه.
واللهَ نسأل أن يُفرِّجَ كُربَتَه، ويفُكَّ أسرَه، ويرُدَّه إلى أهلِه ووطنِه، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[يوسف: 21].
ثم اعلموا أن الله أمرَ بأمرٍ بدأَ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِهِ، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِهِ، فقال قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ بشير الرحمة والثواب، ونذير السَّطوةِ والعقابِ، الشافعِ المُشفَّعِ يوم الحِساب، اللهم وارضَ عن خلفائه الأربعة أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وفضلِك وجُودِك وإحسانِك يا أرحمَ الراحِمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتَنا وُولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده يا رب العالمين.
اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا.
اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، ألفافِ البدعةِ والضلالةِ، ألفافِ البدعةِ والضلالةِ، وأعلامِ الخُرافةِ والدَّجَل والخِيانة، اللهم فُلَّ جيوشَهم، اللهم فُلَّ جيوشَهم، اللهم فُلَّ جيوشَهم، ودُكَّ عروشَهم، ودمِّرهم تدميرًا، ولا تجعل لهم في الأرض وليًّا ولا نصيرًا.
اللهم عجِّل بالفرَج والنصر لإخواننا المُستضعفين في سُورية يا رب العالمين، اللهم طالَ ظُلمُهم، اللهم طالَ ظُلمُهم، اللهم طالَ ظُلمُهم، وعظُم قتلُهم، واشتدَّ قتلُهم وحِصارُهم، وانقطَعَ من الخلقِ أملُهم، فانتصِر لهم يا رب العالمين، انتصر لهم يا الله، انتصر لهم يا سميع الدعاء، وأهلِك عدوَّهم عاجِلًا غيرَ آجِلٍ يا رب العالمين.
اللهم اشفِ مرضاهم، وعافِ جرحاهم، وتقبَّل موتاهم في الشهداء يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين، الصهاينة الغادِرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك.
اللهم طهِّر المسجد الأقصَى من رِجسِ يهود، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود الغاصِبين يا رب العالمين.
اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحَم موتانا، وفُكَّ أسرانا، وأصلِح أولادَنا وشبابَنا وفتياتِنا، وانصُرنا على مَن عادانا يا رب العالمين.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبرُ، والله يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:58 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir